في كل محطة مفصلية من تاريخ الانهيار اللبناني، تكرّر المشهد نفسه، خطاب متماسك في الشكل، متوازن في العبارات، لكنه فارغ بالكامل في النتائج. دعوات إلى الالتزام بالاتفاقات، تمسّك بالنصوص، وتكرار لعبارات "التهدئة" و"الاستقرار"، فيما الوقائع على الأرض كانت تسير في اتجاه معاكس تماماً.
خلال تولّي نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة، لم تكن هناك إدارة فعلية للدولة، بل إدارة مستمرة للتسويات. نهج يقوم على التكيّف مع موازين القوى القائمة، لا على محاولة تعديلها أو كسرها. تحت عنوان "الواقعية"، جرى تثبيت الأمر الواقع، حتى حين كان يتناقض مع منطق الدولة ومصالحها.
ميقاتي قدّم نفسه كرجل توازنات، لكن التجربة أظهرت أن هذا "التوازن" كان يعني عملياً الانخراط الكامل في منظومة التسويات الداخلية، والامتناع عن أي مواجهة سياسية جدية. لم يُسجَّل أي قرار حاسم في لحظة احتاج فيها البلد إلى الحسم، بل سلسلة من الخطوات المؤجلة التي أدارت الأزمة بدل أن تعالجها.
في الأزمة المالية، لم تُطرح خطة إنقاذ متكاملة، بل جرى الاكتفاء بإدارة الانهيار ضمن هوامش ضيقة، مع رهان دائم على الخارج. في الاستحقاق الرئاسي، استمر الجمود، من دون أي محاولة فعلية لكسره. وفي الملفات السيادية، حافظ الخطاب الرسمي على حدّه الأدنى، فيما بقي الأداء السياسي منضبطاً ضمن حدود التوازنات المفروضة.
هذا النهج لم يكن حياداً، بل تكيّفاً دائماً مع ثنائي "أمل ـ حزب الله"، وتقديماً مستمراً للأولوية السياسية على حساب القرار الوطني. مع كل محطة، كان يتم تثبيت المعادلة نفسها، الحفاظ على الموقع داخل السلطة عبر الانخراط في التسويات، حتى ولو جاء ذلك على حساب دور الدولة وهيبتها.
ما نتج عن هذه المقاربة لم يكن استقراراً، بل هشاشة متراكمة، ولم تكن حلولاً، بل تأجيلاً دائماً للأزمات. إدارة قائمة على الحد الأدنى، تُبقي البلد تحت سقف الانفجار من دون أن تفتح أي أفق فعلي للخروج منه.
بهذا المعنى، لم تكن مرحلة ميقاتي مرحلة توازن، بل مرحلة تثبيت للأمر الواقع، ولم تكن مرحلة قرارات، بل مرحلة تجنّب للقرارات. ومع انتهاء تلك المرحلة، بقيت النتائج واضحة، دولة أكثر ضعفاً، مؤسسات أكثر شللاً، ومسار سياسي محكوم بالتسويات بدل أن يكون محكوماً بالإرادة.
واليوم، تحاول الدولة لملمة ما تسبّب به "الثلاثي المتسلّط"، وإعادة بناء ما تهدّم بفعل سنوات من إدارة التسويات وتراكم الانهيار، في مسار شاق لاستعادة الحد الأدنى من القرار والسيادة بعد مرحلة كرّست العجز بدل معالجته.