أشار الباحث في الشؤون الإقليمية والدولية الدكتور حكم أمهز إلى أن المفاوضات لم تنتهِ، ويمكن القول إنها فشلت فشلًا جزئيًا، إذ تم الاتفاق على مجموعة من النقاط، خلاف على مجموعة أخرى، خصوصًا في ما يتعلق بموضوع تجميد تخصيب اليورانيوم ونقل الكميات المخصبة بنسب عالية إلى خارج إيران، إلى جانب مضيق هرمز، وقد أكد الإيرانيون أنهم لا يمانعون فتحه شرط أن يكون قد تم الاتفاق على كل ما هو مطروح في البحث.
أضاف في حديث لـLebTalks أنه قبل الاتفاق، وقبل المفاوضات، كان هناك موافقة من الأميركيين على أن يكون هناك وقف إطلاق نار شامل في كل المنطقة بما فيها لبنان، لكن الأميركي تراجع عن هذا الموضوع بعد اتصال بين ترامب ونتنياهو، وكان الإسرائيلي في ذلك الوقت قد ارتكب مجزرة بيروت الكبيرة.
وأشار إلى أن إيران، بعد مجزرة بيروت، أبلغت الباكستانيين أنها لن تذهب إلى المفاوضات وأنها تريد إلغاءها، وكان الحرس الثوري الإيراني قد جهّز الرد على مجزرة بيروت، وكان ينوي القصف ابتداءً من منتصف ليل الأربعاء، إلا أنه جرت اتصالات عدة من قبل الوسطاء الدوليين مع إيران لتأجيل هذا الرد، مقابل تعهدات بأن موضوع وقف إطلاق النار سيشمل بيروت والضاحية، وأن موضوع جنوب لبنان وبقية المناطق سيتم بحثه في اليوم الأول من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية.
ولفت إلى أنه عندما ذهب الإيرانيون، بدأ الأميركي بالمماطلة، حيث تم تأجيل موضوع وقف إطلاق النار في الجنوب إلى يوم الثلثاء، بانتظار الاجتماعات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن، بحيث يظهر وكأن وقف إطلاق النار جاء نتيجة الاجتماعات في واشنطن وليس ضمن شروط إيران.
وأكد أن وقف إطلاق النار كان يجب أن يتضمن في الاتفاق مهلة 15 يومًا، وأن إنجاز الاتفاق كان يفترض أن يكون شاملًا بحيث تنتهي مفاعيله بحل كل النقاط العالقة، ومن ضمن هذه النقاط، أن يكون هناك انسحاب إسرائيلي كامل من كل الأراضي اللبنانية بما فيها النقاط الخمس، أي العودة إلى القرار 1701، وكان هذا هو المشروع المطروح، إلا أن الأمور تعقّدت حاليًا لمعرفة إلى أين ستتجه.
وأشار إلى أنه يمكن القول إن الوفدين غادرا إسلام آباد بانتظار ما سيحصل لاحقًا، لكن عمليًا هناك خطوط حمراء لدى الإيرانيين، مع ملاحظة أن الأميركي لم يُسقط مهلة وقف إطلاق النار التي تمتد لأسبوعين.
أضاف أن التهديدات المرتبطة بالحصار، ولا سيما حصار مضيق هرمز، لا يمكن البناء عليها، كما أنه لم يتم التهديد بتدمير الحضارة الأميركية، ما يشير إلى وجود خط رجعة يأخذه الأميركي في الاعتبار.
وقال إن الإيراني حسم موقفه وبلّغ الأميركي بذلك، وإذا أردنا الحديث عن نقاط القوة، فالجميع يعلم أن القدرات الأميركية والإسرائيلية مجتمعة لا تُقارن بالقدرات الإيرانية، لأن إمكانيات إيران محدودة، لكنها تمتلك نقاط قوة في مواقع أخرى.
وبرأيه، فإن الأميركيين يسعون للعودة إلى الاتفاق بعد فقدانهم أوراق القوة، إذ إن أي حصار بحري يواجه صعوبات، حيث لا يملكون سوى جهة المحيط الهندي، أي الاقتراب من مضيق هرمز، في حين تمتلك إيران حدودًا مع ست دول، أي ما يقارب 7000 كيلومتر، وهي محاطة بدول صديقة يمكنها من خلالها تأمين احتياجاتها، إضافة إلى أن شمال إيران مفتوح على بحر قزوين المرتبط بروسيا والدول الأوراسية.
وأشار إلى وجود مشروع ضخم كان قيد العمل يُعرف بممر "شمال – جنوب" بين روسيا وإيران، وهو مشروع اقتصادي كبير، وقد يؤثر الحصار عليه لكن ليس بالحجم الذي يتم الترويج له.
وأضاف أنه إذا أراد الأميركي الدخول إلى مضيق هرمز فليفعل، ليرى كيف سترتفع أعداد قتلى العسكريين الأميركيين.
وأشار في حديث لموقعنا إلى أن الأهداف التي وضعها ترامب كانت إسقاط النظام، وقد فشل في ذلك، وكذلك هدف تحريك الشارع، أما الهدف الآخر فهو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، في حين أن إيران أصلًا لا تسعى إلى ذلك.
وقال إن الإيرانيين لا يريدون تصنيع سلاح نووي، ولو أرادوا لكانوا فعلوا، وكل فترة يخرج مسؤولون إسرائيليون وأميركيون للقول إن إيران ستصنع سلاحًا نوويًا خلال أسابيع، وإذا كان ترامب يقول إنه دمّر كل المنشآت النووية، فكيف يتهم إيران بعد ذلك بالسعي إلى تصنيع سلاح نووي؟
وأوضح أن مضيق هرمز لم يكن هدفًا أساسًا ولم يكن مغلقًا، لكن ترامب أرسل أساطيل وسفنًا حربية أميركية وحوّل المضيق إلى منطقة عسكرية، ما جعل ناقلات النفط تتردد في دخوله خوفًا من الاستهداف، وبالتالي فإن عسكرة المضيق هي التي أدت إلى تعطيل حركته، وليس قرارًا مباشرًا بإغلاقه، ومع ذلك تم الادعاء بأن المضيق أحد أهداف الحرب، وهو ما اعتبره كذبة كبيرة، وبعد مرور أيام من الحرب تم إقفال المضيق.
وأكد أن إيران أعلنت استعدادها لفتح المضيق ضمن اتفاق شامل، وهنا يُطرح السؤال: لماذا لم يعلن ترامب إلغاء المفاوضات بالكامل؟ ولماذا لم يُسقط مهلة الأسبوعين؟ وهذا يدل على عدم رغبته في خوض الحرب مجددًا.
وأضاف أن آخر ورقة بيد ترامب هي ضرب المنشآت النفطية، لكن في حال القيام بذلك، سيكون أول المتضررين، إذ سترتفع أسعار النفط عالميًا، وتتردد عليه التداعيات.
وأشار إلى أن ترامب أصبح معزولًا داخليًا وخارجيًا، فشعبيته داخل الولايات المتحدة تراجعت بشكل كبير، مع اقتراب الانتخابات النصفية بعد ثلاثة أشهر، ما يعني أن الديموقراطيين يسعون، في حال فوزهم بالكونغرس، إلى عزله باعتباره خطرًا على الأمن القومي الأميركي وعلى علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها.
وقال إنه إذا وصلت الأمور إلى هذا الحد، فإن ترامب لن يقبل بعزله، وقد يلجأ إلى خطوات تصعيدية قد تصل إلى حد التهديد بحرب أهلية داخل الولايات المتحدة، ما قد يؤدي إلى انقسام داخلي خطير.
أما على المستوى الدولي، فلم ينجح في تشكيل تحالف واسع في ما يتعلق بمضيق هرمز وإيران.
وأوضح أنه وفقًا للقانون الدولي، فإن أي قاعدة عسكرية موجودة في دولة ما تحتاج إلى إذن تلك الدولة للقيام بأي نشاط، وإذا وقع اعتداء انطلاقًا منها على دولة مجاورة، فإن ذلك يستدعي تحركًا من مجلس الأمن الدولي، وإذا لم يتحرك، يحق للدولة المعتدى عليها الرد، وعند الحديث عن المصالح الأميركية، فإن ذلك يشمل قواعد ومؤسسات قد تكون عرضة للاستهداف.
وختم بالإشارة إلى أن الأميركي والإسرائيلي دخلا على خط الفتنة من خلال استهداف بعض المناطق المدنية في دول عربية ونسب ذلك إلى إيران، كما حصل في استهداف مصنع تحلية المياه في الكويت، وكذلك الصواريخ التي سقطت في تركيا، والتي لا تشير المعطيات إلى أنها إيرانية، وكانت طلبت ايران بفتح تحقيق بذلك.
وأشار أمهز إلى أن القواعد العسكرية لا تحمي نفسها ولا تحمي الأنظمة، بل وُجدت أساسًا لحماية الكيان الإسرائيلي، لافتًا إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستخدمها بشكل متكرر كأداة تهديد.
وختم حديثه لموقعنا أن طهران تعتبر أن أمن واستقرار المنطقة هو جزء لا يتجزأ من أمنها واستقرارها، مرجّحًا أن تشهد المرحلة المقبلة تحسّنًا في العلاقات بين إيران والدول العربية، لتصل إلى مستوى متقدّم من التنسيق والتقارب.
