"العفو العام" في مطبخ بري.. كيف تُطبخ الصفقة في الكواليس؟

berri

كتبت إيلينا درسركيسيان:

منذ أن تولّى نبيه بري رئاسة مجلس النواب في 20 تشرين الأول 1992، تحوّل إلى أحد أكثر الوجوه ثباتاً في الحياة السياسية اللبنانية. أكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً في الموقع نفسه، تعاقبت خلالها حكومات وعهود وأزمات وانهيارات، فيما بقيت رئاسة المجلس ثابتة في يد رجل واحد. وخلال هذه العقود، برز ملف واحد عاد مراراً إلى الواجهة كلما دخل لبنان مرحلة مأزومة أو تسوية جديدة: العفو العام.

العفو العام عند نبيه بري ليس ملفاً قانونياً فقط، بل ورقة سياسية تُفتح عندما تتقاطع ثلاثة عوامل: ضغط الشارع، حاجة البيئات السياسية إلى تسوية، ورغبة رئيس المجلس في تثبيت موقعه كـ"مفتاح" إلزامي لأي مخرج داخلي.

بري عاد إلى الملف أكثر من مرة، في 2020، وضع قانون العفو العام على جدول أعمال هيئة مكتب المجلس في لحظة تفشي كورونا داخل السجون، وكان العنوان المعلن يومها تخفيف الاكتظاظ والخوف من انتشار الوباء بين السجناء. لكن خلف هذا العنوان الإنساني، كان القانون يمسّ ملفات شديدة الحساسية: الموقوفون الإسلاميون، المطلوبون في البقاع، ملفات المخدرات، والفارين من العدالة. لذلك اصطدم سريعاً بسؤال: من يستفيد ومن يُستثنى؟

اليوم، عاد بري إلى فتح الطريق أمام اقتراح جديد للعفو العام عبر دعوة اللجان النيابية المشتركة إلى جلسة، وعلى جدول أعمالها اقتراح قانون يمنح عفواً عاماً ويخفّض بعض العقوبات استثنائياً. واللافت أن مجرد إحالة الملف إلى اللجان المشتركة لا يُعدّ خطوة تقنية عابرة، بل إشارة واضحة إلى انتقاله من التداول السياسي إلى مرحلة الاختبار الفعلي داخل المؤسسات. ففي لبنان، عشرات الاقتراحات تبقى مجمّدة لسنوات، لكن حين يُستدعى ملف خلافي بهذا الحجم إلى اللجان، فهذا يعني أن هناك من قرّر إعادة تحريكه وقياس فرص مروره.

اللافت أيضاً أن الاقتراح، بحسب التقارير، صاغه نواب سنّة، ما يعطيه بُعداً إضافياً: محاولة التقاط مطلب موجود داخل بيئات سنّية وشمالية وبقاعية، من دون أن يظهر بري كأنه صاحب المطلب وحده، بل كمن يفتح له الطريق التشريعي. وهنا تكمن إحدى أبرز أدواته السياسية: إدارة الملفات الحساسة من الخلف، وترك الآخرين في الواجهة، فيما تبقى مفاتيح المرور في يده.

السبب الأعمق لعودته اليوم أن لبنان دخل مرحلة تسويات جديدة. بعد الحرب والاهتزازات الأمنية والانهيار الطويل، هناك بيئات تريد "تنفيسة" اجتماعية وسياسية. العفو العام هنا يصبح رسالة لأكثر من جهة: للبيئات الشعبية التي تنتظر تسوية ملفات أبنائها، للقوى السياسية التي تريد استعادة نفوذها داخل شارعها، وللخصوم بأن مفتاح التشريع لا يزال في عين التينة.

كما أن جلسة اللجان المشتركة ستشكّل اختباراً لموازين القوى داخل البرلمان. من سيعترض علناً؟ من سيؤيد بصمت؟ من سيطلب تعديلات تحفظ له موقعه أمام جمهوره؟ ففي كثير من الأحيان، لا تكون اللجان مكاناً للنقاش القانوني فقط، بل مساحة لتبادل الرسائل السياسية وتدوير الزوايا قبل الوصول إلى الهيئة العامة. لذلك، فإن ما سيجري قد يكون أهم من التصويت نفسه، لأنه سيكشف حجم الغطاء الحقيقي للقانون.

لكن الأخطر أن العفو يُطرح مجددا فيما الدولة لم تُنجز إصلاحاً قضائياً حقيقياً. الأسباب الموجبة الحالية تتحدث عن الاكتظاظ والأزمة الاقتصادية وخلل التوقيف الاحتياطي، أي إن المشكلة بنيوية وليست ظرفية. ومع ذلك، بدل معالجة القضاء والسجون والمحاكمات البطيئة، تُستعاد وصفة العفو: حلّ سياسي لمشكلة قضائية.

وهنا يبرز السؤال الأوسع: إذا كانت السجون مكتظة منذ سنوات، والمحاكمات بطيئة منذ عقود، فلماذا لا يتحرك هذا الملف إلا في لحظات سياسية محددة؟ ولماذا لا يُقرن أي عفو عام بخطة إصلاح قضائي متكاملة تمنع تكرار الأزمة بعد أشهر أو سنوات؟ الجواب الذي يراه كثيرون أن العفو في لبنان يُستخدم كأداة لشراء الوقت، لا كحل جذري.

لذلك، السؤال ليس فقط: كم مرة طالب بري بالعفو العام؟ بل: لماذا يعود القانون كلما احتاج النظام إلى إعادة توزيع خسائره؟ في 2020 عاد تحت عنوان كورونا والسجون. في 2026 يعود تحت عنوان الاكتظاظ والظروف الاقتصادية. وبين العنوانين، يبقى الجوهر نفسه: قانون استثنائي يُستخدم بدل العدالة العادية.

وفي بلد فقد الثقة بمؤسساته، يصبح أي عفو عام جديد موضع شبهة تلقائية: هل هو خطوة إنسانية فعلًا، أم تسوية مقنّعة جديدة؟ وهل المطلوب إنصاف الناس، أم إعادة تدوير أزمة مزمنة بقانون موقت؟ تلك هي الأسئلة التي سترافق جلسة اليوم، وما بعدها.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: