لا تزال القيادة في إيران تنتهج الأساليب التفاوضية نفسها التي اعتمدتها سابقًا مع إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، والتي أفضت إلى الاتفاق النووي الإيراني 2015، وهو اتفاق أتاح للنظام الإيراني ما لم يكن يتوقعه آنذاك، لا سيما من حيث هامش حرية التخصيب على المدى البعيد، من دون ضمانات فاعلة.
واليوم، لا تزال طهران تعتمد المقاربة نفسها في مفاوضاتها مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، عبر اللعب على عامل الوقت والمراهنة على الأزمات السياسية والاقتصادية الداخلية للخصم الأميركي، سعياً لكسب الوقت وترقّب تحولات قد تغيّر موازين القوى.
غير أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن القيادة الإيرانية لم تستوعب، أو لا تريد أن تستوعب، أنها تواجه رئيسًا يأتي من خارج منطق "الدولة العميقة" في الولايات المتحدة الأميركية، ويعتمد أسلوبًا مختلفًا في إدارة المصالح، لا يُعير وزنًا كبيرًا للمناورات التقليدية أو للحسابات الخاسرة. فهو رئيس يتخذ قرارات جريئة ونافذة، ويُحسن التفاوض والمناورة. وقد تجلّى ذلك أخيراً في قدرته على تجاوز الاشتباك السياسي مع الكونغرس، وإعلانه إنهاء الحرب على إيران بضربة سياسية سريعة، ما أدى إلى إسكات خصومه ونقل المواجهة إلى مستوى آخر، تمثّل في ملف مضيق هرمز.
هذا المضيق، الذي شكّل تاريخيًا ورقة ضغط إيرانية، نجح ترامب في تحويله إلى ورقة ضغط معاكسة تُستخدم ضد طهران نفسها، في خطوة تعكس تحوّلًا في ميزان المبادرة الاستراتيجية.
في المقابل، لم تدرك القيادة الإيرانية بعد أن ترامب، وإن كان لا يفضّل الحروب ويُعرف بكونه "رجل صفقات"، إلا أنه مستعد لخوض مواجهات طويلة لتحقيق أهدافه، مدفوعًا أيضًا بضغوط تيارات متشددة داخل محيطه تدفع باتجاه خيارات عسكرية حاسمة، لا تستهدف فقط تغيير سلوك النظام، بل قد تصل إلى حد إسقاطه.
ويُظهر السلوك التفاوضي الإيراني استمرارًا في النهج التقليدي، وهو ما برز في المبادرة الأخيرة التي بدت، في مضمونها، أقرب إلى مناورة شكلية منها إلى عرض جدي. إذ إن تأجيل البحث في الملف النووي إلى مراحل لاحقة، مقابل المطالبة الفورية برفع العقوبات وفتح مضيق هرمز والإفراج عن الأصول المجمدة، يعكس طرحًا غير متوازن، يُفهم منه السعي إلى كسب الوقت أكثر من السعي إلى تسوية.
هذا الأسلوب، الذي اعتمدته الديبلوماسية الإيرانية لسنوات، يقوم على طرح مبادرات قابلة للرفض، ومن ثم تحميل الطرف المقابل مسؤولية التعطيل عبر الخطاب الإعلامي والسياسي. إلا أن هذا النهج يصطدم اليوم بواقع مختلف في ظل إدارة ترامب، التي أعادت ترتيب أوراقها الداخلية، واستعادت دعمًا سياسيًا من الحزب الجمهوري، كما تمكّنت من احتواء تداعيات أزمات الطاقة العالمية عبر تنويع مسارات إمدادات النفط والغاز بعيدًا عن هرمز.
بل إن ترامب ذهب أبعد من ذلك، حين أظهر استعدادًا للعب على عامل الوقت بطريقة معاكسة، مؤكدًا أنه غير مستعجل، وأن ورقة هرمز بحد ذاتها باتت ساحة صراع طويلة يمكن استثمارها، بالتوازي مع احتمالات تنفيذ ضربات عسكرية موضعية أو عمليات محدودة إذا اقتضت الحاجة.
وعليه، يبدو أن النهج التفاوضي الإيراني، بصيغته الحالية، يعاني من جمود واضح، ويعكس مقاربة تقليدية لم تعد تتلاءم مع طبيعة المرحلة. في المقابل، يظهر ترامب بأسلوب تفاوضي يجمع بين النفس الطويل والحسم، وبين المناورة والقدرة على اتخاذ القرار.
خلاصة المشهد: مبادرة إيرانية تفتقر إلى الجدية والواقعية، صيغت على نحو يجعل رفضها شبه حتمي، في وقت تضع فيه البيت الأبيض أولوية مطلقة للملف النووي ومستويات التخصيب، فيما تحوّلت ورقة مضيق هرمز من عنصر قوة إيراني إلى أداة ضغط أميركية فعّالة.
نهج ديبلوماسي إيراني تقليدي… في مواجهة زمن سياسي مختلف يقوده دونالد ترامب.