لم يعد الحديث عن التفاهم المرتقب بين واشنطن وطهران مقتصراً على أجهزة الطرد المركزي ونسب التخصيب والرقابة الدولية، فالمعطيات خلال الأسابيع الأخيرة توحي بأن ما يُطبخ خلف الأبواب المغلقة يتجاوز الملف النووي نحو إعادة ترتيب مساحات واسعة من المشهد الإقليمي من الخليج إلى شرق المتوسط، وسط مؤشرات متزايدة إلى أن المنطقة تقف أمام مرحلة مختلفة تماماً عن تلك التي أعقبت الاتفاقات السابقة.
وبحسب سفير سابق تحدث إلى LebTalks، فإن قراءة البنود المسربة تكشف عن أن المفاوضات دخلت مرحلة أكثر حساسية، إذ تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والعسكرية والاقتصادية ضمن سلة واحدة، الأمر الذي يفسر حجم الترقب الإقليمي والدولي لما قد يصدر في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن الحديث يدور حول تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً يشمل الساحة اللبنانية، بالتوازي مع استئناف المسار التفاوضي النووي، إضافة إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية وعودة الشحن التجاري إلى مستوياته الطبيعية خلال فترة زمنية محددة، مقابل تسهيلات اقتصادية مرحلية لإيران وتخفيف تدريجي للعقوبات المفروضة عليها.
ويعتبر السفير السابق أن التركيز الإعلامي على الشق النووي وحده قد يقود إلى استنتاجات ناقصة، لأن التجارب السابقة أثبتت أن التفاصيل التي تبقى بعيدة من التداول العلني غالباً ما تكون الأكثر تأثيراً في رسم المشهد اللاحق، لذلك فإن التسرع في الاحتفاء بالاتفاق أو في التقليل من أهميته لا يستند إلى قراءة مكتملة، خصوصاً أن ملفات أساسية لا تزال قيد البحث، وفي مقدمتها الأموال الإيرانية المجمدة وآليات الرقابة المستقبلية على اليورانيوم عالي التخصيب، إضافة إلى مجموعة تفاهمات أمنية لم تتضح حدودها النهائية بعد.
وفي موازاة ذلك، تلفت مصادر ديبلوماسية مواكبة عبر موقعنا إلى أن التصعيد الإسرائيلي لا يمكن فصله عن القلق المتنامي داخل الحكومة الإسرائيلية من احتمال ولادة تفاهم أميركي إيراني لا يتناول بصورة مباشرة نفوذ طهران الإقليمي وأذرعها العسكرية، وفي مقدمها حزب الله، وهو ما تعتبره تل أبيب ثغرة استراتيجية قد تسمح بتثبيت وقائع جديدة في المنطقة من دون معالجة الملفات التي تعدها إسرائيل أولوية أمنية.
تضيف المصادر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدرك أن أي اتفاق بين واشنطن وطهران سيؤدي حكماً إلى تبدلات في موازين القوى السياسية والأمنية، لذلك تحاول إسرائيل رفع مستوى الضغط الميداني والسياسي قبل الوصول إلى اللحظة الحاسمة، بهدف فرض شروط إضافية أو دفع الإدارة الأميركية إلى توسيع دائرة التفاوض لتشمل ملفات تتجاوز البرنامج النووي.
ويرى السفير السابق، أن لبنان سيكون من بين أكثر الساحات تأثراً بنتائج أي تفاهم محتمل، ليس لأن اسمه حاضر في بعض البنود فحسب، وإنما لأن موقعه الجغرافي والسياسي يجعله جزءاً مباشراً من أي إعادة رسم للتوازنات الإقليمية، ولذلك فإن الأسابيع المقبلة قد تحمل إشارات بالغة الأهمية حول طبيعة المرحلة المقبلة، سواء لجهة الاستقرار الأمني أو لجهة حجم الضغوط السياسية التي ستتعرض لها الأطراف المحلية.
ويختم بالقول إن المنطقة لا تقترب من اتفاق عادي يمكن التعامل معه كأي حدث ديبلوماسي، فالمسألة تتعلق بمسار قد يعيد توزيع النفوذ والمصالح ويفتح الباب أمام وقائع جديدة لم تتضح كل ملامحها بعد، وما يظهر اليوم في العناوين المسربة قد يكون الجزء الأصغر من الصورة، أما الجزء الأكبر فلا يزال ينتظر لحظة الإعلان عنه.