روبيو في دول الخليج... بحثٌ عن الحلقات المفقودة

11234556675_193436_large

تأتي زيارة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى دول الخليج في سياق القلق الخليجي المتزايد من غياب أي ضمانات حقيقية للأمن القومي والإقليمي، في ضوء مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، والتي خلت، بحسب القراءة الخليجية، من أي ضمانات تتعلق بأمن دول المنطقة.

وتشير المعطيات إلى أن روبيو يُعد من صقور الإدارة الأميركية، بخلاف نائب الرئيس جيه دي فانس الذي يُنظر إليه على أنه أكثر ميلاً إلى المقاربة الديبلوماسية. ومن هنا، فإن إيفاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لروبيو إلى الخليج يحمل بحد ذاته رسائل تطمين للحلفاء الخليجيين.

وشملت جولة روبيو الإمارات والبحرين والكويت، وهي الدول التي كانت في صدارة المواجهة مع إيران عندما تعرض أمنها القومي للاستهداف بالصواريخ والطائرات المسيّرة خلال الحرب الأخيرة، ما يجعلها الأكثر حاجة إلى ضمانات أميركية واضحة.

وتكمن مصادر القلق الخليجي في أن بنود مذكرة التفاهم لم تتطرق إلى أبرز الملفات التي تعتبرها دول المنطقة تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وفي مقدمتها البرنامج الباليستي الإيراني، الذي دخل، وفق توصيف بعض المراقبين، في "غيبوبة" لدى فريق الرئيس ترامب، إضافة إلى ملف الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، في ظل مخاوف من إعادة توظيف هذه الأموال في تمويل الأذرع والوكلاء الإيرانيين في المنطقة.

كما يبرز ملف مضيق هرمز بوصفه أحد أبرز الهواجس الخليجية المستجدة، في ظل المطالبة بضمانات تمنع أي هيمنة إيرانية على المضيق، الذي بات يتقدم على ملفات أخرى مرتبطة بالحرب والسلم في المنطقة.

ومن هنا، يبدو أن الهدف الأساسي للزيارة يتمثل في طمأنة الحلفاء الخليجيين وتنسيق آليات الردع الأمني، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تصب بنود الاتفاق في مصلحة النظام الإيراني أكثر مما تخدم مصالح الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.

ويزداد هذا القلق مع استمرار الغموض حول آلية الإفراج عن الأموال الإيرانية، في ظل غياب أي آلية رقابة أميركية واضحة، والاكتفاء بالإشارة إلى مبلغ 300 مليار دولار لصالح الجانب الإيراني، من دون توضيح كيفية صرفه أو الضوابط التي سترافق الإفراج عنه.

كما لا تبدي دول الخليج ارتياحاً لفترة الاختبار المحددة بستين يوماً، معتبرة أن هذه المرحلة قد تتحول إلى مساحة تفاوضية مليئة بالأفخاخ والثغرات، بما قد يفرغ بنود الاتفاق من أي ضمانات فعلية لأمن المنطقة.

وفي حين يرى بعض المراقبين أن زيارة روبيو تندرج في إطار الاستماع إلى هواجس الحلفاء أكثر من كونها تهدف إلى شرح بنود الاتفاق أو تقديم ضمانات عملية، إلا أن اختيار روبيو تحديداً يعكس رسالة ديبلوماسية ذات طابع صقوري، لكنها تحمل في الوقت نفسه بعداً تطمينياً.

وكانت إدارة الرئيس ترامب أكدت مراراً أن سياستها تجاه حلفائها الإقليميين تقوم على ثوابت أبرزها الالتزام بأمنهم، والحفاظ على استقرار المنطقة، وتعزيز آليات الردع والتنسيق الأمني، بالتوازي مع متابعة المفاوضات مع إيران ومواكبة مرحلة ما بعد الاتفاق وانعكاساتها على مصالح الحلفاء.

وتنطلق المخاوف الخليجية من قراءة أولية لبنود المذكرة، ترى أنها قد تمنح النظام الإيراني مكاسب أكبر بكثير من تلك التي تحققها للولايات المتحدة أو لحلفائها، ولا سيما في ظل التخوف من أن يؤدي الإفراج عن الأموال إلى إعادة تمويل الوكلاء، كما حصل عقب اتفاق العام 2015، مع استمرار القلق من تجاوز إيران مستقبلاً الخطوط الحمراء المرتبطة بأمن الخليج ومصالحه.

وانطلاقاً من هذه الهواجس، يتم البحث في آليات تضمن ضبط عملية الإفراج عن الأموال، ومن بينها اقتراح وضعها في بنك يخضع لإشراف الولايات المتحدة. وتشمل الأموال المطروحة ثلاثة أنواع: الأصول الإيرانية المجمدة، والعائدات النفطية الخاضعة لقوانين الخزانة الأميركية، والأموال المخصصة لإعادة الإعمار.

ويبقى السؤال الخليجي الأساسي: هل سيتم الإفراج عن هذه الأموال بعد إثبات التزام إيران الكامل بالاتفاقات والتعهدات التي ستتبلور خلال فترة الستين يوماً، أم أنها ستُمنح بصورة عاجلة ومن دون سقوف أو ضمانات؟

أما في ما يتعلق بالأمن البحري، فيتركز الاهتمام على حماية الممرات الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، ومنع أي تهديد إيراني لحركة الملاحة، الأمر الذي دفع إلى طرح فكرة إنشاء مجلس إقليمي لإدارة المضيق بمشاركة الدول المشاطئة، بدلاً من بقائه خاضعاً لإدارة أحادية.

فالصراع مع النظام الإيراني يمتد منذ سبعة وأربعين عاماً، فيما تطورت أدوات التهديد الإيرانية لتشمل الصواريخ البعيدة المدى والطموحات النووية، كما أن تجربة عام 2015 أثبتت، بالنسبة إلى دول الخليج، أن جزءاً من الأموال المفرج عنها ذهب إلى دعم الوكلاء، ما ساهم في إشعال المنطقة، وهو ما يجعل اتفاق اليوم، إلى جانب فترة الستين يوماً، محاطاً بمخاطر تفاوضية وثغرات تنفيذية محتملة.

وفي المحصلة، يمكن القول إن زيارة روبيو إلى الإمارات والبحرين والكويت حملت رسائل طمأنة سياسية وعملياتية، لكنها لم ترتقِ إلى مستوى الضمانات العملية الكاملة، فيما تبقى الشكوك الخليجية قائمة استناداً إلى تجربة السنوات الماضية، ودور إيران الإقليمي، وغياب اليقين حيال مدى التزامها طويل الأمد بأي اتفاق جديد.

ومن هنا، تبدو الأيام المقبلة حاسمة لاختبار مدى التزام إيران، ولتبيان حقيقة بنود مذكرة التفاهم، ولا سيما تلك التي لم تُعلن تفاصيلها بعد.

وفي انتظار اتضاح الصورة، تبقى المنطقة في مرحلة ضبابية، فيما يواصل الغموض فرض نفسه على المشهد الجيوسياسي، ولا سيما في الخليج، في ظل استمرار غياب الضمانات الكافية لأمن دول المنطقة ومستقبلها، وتفاقم أزمة الثقة بينها وبين النظام الإيراني بعد كل ما شهدته السنوات الماضية.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: