انتصار الدولة ومنطق الدولة

1001145933_1776514981028

أهمية توقيع الاتفاق الإطاري في واشنطن بين لبنان وإسرائيل لا تكمن في التوقيع على أول وثيقة تاريخية مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بل في انتصار الدولة اللبنانية ومنطق الدولة اللبنانية على المنطق التبعي والملحق بمحاور خارجية.

قلناها سابقًا إن مجرد اتخاذ الدولة اللبنانية قرار الذهاب إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل كان انتصارًا سياسيًا وديبلوماسيًا تاريخيًا للدولة اللبنانية، وقد أدى هذا التفاوض إلى تحقيق انتصار على مستويين:

المستوى الإقليمي، إذ كرّس الاتفاق الإطاري الفصل النهائي بين مسار التفاوض الأميركي - الإيراني، وسحب الملف اللبناني من الاستيلاء الإيراني عليه طوال عقود، فأعاد إلى الدولة اللبنانية حق التفاوض عن لبنان واللبنانيين جميعًا.

والمستوى السياسي الداخلي، إذ كرّس انتهاء عهد وصاية الثنائي أمل - حزب الله على الملف السيادي اللبناني وقرار الحرب والسلم.

طبعًا، لا نغفل أننا أمام مسيرة طويلة وشائكة، كما لا نغفل أن العبرة في الخواتيم، وليس بمجرد التوقيع على اتفاق، مستحضرين اتفاق 17 أيار واتفاق وقف الأعمال الحربية لعام 2024، وهي اتفاقات سقطت، مع أنها لو طُبّقت لما كُتب للبنان أن يعيش كل ما عاشه ويعيشه من مآسٍ.

إلا أن الأمل هذه المرة يُبنى على عاملين رئيسيين:

العامل الأميركي، المنخرط كليًا في عملية السلام بين لبنان وإسرائيل، وفي تنفيذ بنود الاتفاق الإطاري الموقع بالأمس.

والعامل الآخر، حاجة كل من لبنان وإسرائيل إلى السلام وتوقف الحروب نهائيًا.

انطلاقًا من هذا الجو، يأتي توقيع اتفاق إطاري ثلاثي بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية كعلامة فارقة في تاريخ ليس فقط لبنان، بل أيضًا المنطقة. فالأمر تطلّب جرأة وإقدامًا من جانب الدولة اللبنانية، يُحيّى عليهما كل من فخامة رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، والحكومة اللبنانية.

أما في الشق العملاني للاتفاق الإطاري، فقد طرح الاتفاق آلية عسكرية ثلاثية، وأماكن تطبيق ميداني تجريبية (شمال وجنوب نهر الليطاني)، فضلًا عن وعود أميركية بمساعدات: 100 مليون دولار لحاجات إنسانية، و30 مليون دولار دعمًا للجيش اللبناني، ما يؤكد، في الفقرة الأخيرة، حرص واشنطن على استمرار دعمها للجيش اللبناني، الضامن الوحيد للسيادة اللبنانية، ولحصرية السلاح بيد الدولة، وبسط سيادة الدولة على كامل التراب الوطني.

طبعًا، كان متوقعًا رفض الحزب لهذا الاتفاق، فالحزب الذي بذل الغالي والنفيس ثمنًا لتبعيته للنظام الإيراني، وضحّى بأبنائه وشبابه من أجل الجمهورية الإسلامية في إيران والولي الفقيه، من الطبيعي ألا يرضى بما يعتبره سحب ورقة لبنان من يد النظام في طهران. فالحزب الذي احتفل بمجرد وقف إطلاق نار "أهداه" إليه النظام الإيراني على مائدة إسلام آباد، واعتبره "انتصارًا"، لم يكن ليرضى بأن يذهب لبنان الدولة إلى ما هو أبعد من وقف إطلاق النار... إلى سلام على مراحل، قرره لبنان وليس إيران، ووُقّعت أحرفه الأولى باسم لبنان لا إيران.

ما حصل في واشنطن أكد، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الدولة تستعيد ملف التفاوض، بل تستعيد ملف مصير الدولة والبلد والشعب وفق المصالح اللبنانية العليا، وليس مصالح الثنائي، وتحديدًا الحزب وإيران.

واللافت وجود الولايات المتحدة بقوة في هذا الاتفاق، كضامن وشريك فاعل.

ولعل أبرز ضمانات تنفيذ الاتفاق أنه اتفاق مطلوب لبنانيًا وإسرائيليًا، لأن كلا الطرفين تعب من الحروب، وكلاهما يسعى إلى إقامة وضع آمن وهادئ على طرفي الحدود.

من هنا، نصّ الاتفاق على آليات مراقبة وتنسيق بين القوات الإسرائيلية والجيش اللبناني بإشراف أميركي.

ومن هنا أيضًا، تضمين الاتفاق بنودًا تقنية ولجانًا لمعالجة الملفات الحدودية والانسحابات الجزئية.

الاتفاق سحب ذريعة التدخل الإيراني، ونزع جزءًا من المشروعية عن سلاح الحزب، بعدما نزع الجزء الأول بالقرارات الحكومية الصادرة في 5 و6 آب 2025، و2 إذار 2026. ومن الطبيعي أن ينكر الحزب مشاركته أو اطلاعه على المفاوضات، في الوقت نفسه الذي كان فيه "الأخ الأكبر" مطلعًا وموافقًا على التوقيع، ومع ذلك أعرب الحزب عن رفضه المتوقع لتنفيذ الاتفاق.

الدولة اللبنانية استعادت "الملف"، وتفاوضت بشكل سيادي مباشر مع إسرائيل. وفيما يختص بآليات التنفيذ والمناطق التجريبية، فقد نص الاتفاق الإطاري على مناطق تجريبية شمال وجنوب نهر الليطاني لتطبيق التفاهم ميدانيًا.

وترشح المعلومات احتمال وجود ضباط أميركيين مع الجيش اللبناني لمواكبة دخول الجيش إلى هذه المناطق، مقابل انسحاب إسرائيلي جزئي، في وقت أبدت فيه إسرائيل رغبة في إبقاء نقاط تجريبية، خوفًا من دخول عناصر الحزب ضمن السكان العائدين.

على صعيد آخر، يشمل الدعم الأميركي  أيضًا تنسيقًا ومتابعةً لتطبيق الاتفاق ومراقبته.

أما ما يُحكى عن مخاطر وخشية من مواجهات داخلية لبنانية إذا توسّع ملف نزع سلاح الحزب أو تفكيك بنيته الداخلية، فإن هذا الكلام تجاوزه الزمن، لاعتبارات عدة، منها على سبيل المثال لا الحصر: تقلص قدرات الحزب الميدانية والعسكرية، عدم قدرة الحزب على الانفلاش الميداني على الأراضي اللبنانية، قوة الدولة اللبنانية في قمع أي عصيان أو أي بوادر حرب أهلية داخلية، الضمانات الأميركية والدولية بدعم الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها وسيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية.

وما مظاهر الاحتجاجات الليلية للحزب في شوارع بيروت رفضًا للاتفاق اللبناني - الإسرائيلي، إلا دليل واضح على فقدان الحزب قوة التحشيد الشعبي المهدد للأمن القومي، وقد تعاملت قوى الأمن مع المحتجين بما يحفظ الأمن والسلم الأهلي، وفق القوانين المرعية الإجراء.

لكن، بالموازاة، يبقى ثمة احتمال بأن يستخدم الحزب صوت الرفض سياسيًا لاستعادة مكاسب داخلية، إذا شعر بخسارة ميدانية وعدم تعويضه سياسيًا.

مهما يكن من أمر، فإن الاتفاق الإطاري الموقع في واشنطن بين لبنان وإسرائيل كرّس تغييرًا جيوسياسيًا كبيرًا، بدخول الدولة اللبنانية، للمرة الأولى، في تفاوض مباشر مع إسرائيل بدعم أميركي، بانتظار التطبيق الفعلي واختبار النوايا الإسرائيلية.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: