شكّل انضمام فنلندا الى حلف الناتو في الساعات الماضية الحدث الدولي الأبرز على نار حرب أوكرانيا الحامية والتطورات الميدانية المتسارعة في باخموت وجوارها.
انضمام فنلندا الى الناتو كرّس انتهاء حقبة حياد بدأت غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث كانت موازين القوى الدولية تميل لصالح أوروبا مسالمة ومتعايشة مع جارتها الشرقية السوفياتية، والتي أصبحت من ثم الاتحاد الروسي.
وللتذكير كان في أوروبا ٥ دول تلتزم سياسة الحياد منذ فترات طويلة وهي: سويسرا والنمسا وإيرلندا وفنلندا والسويد.
فنلندا كانت جزءاً من السويد من القرن الثاني عشر ولغاية القرن التاسع عشر، وقد خاضا معاً حروباً طويلة ضد الروس بلغ مجموعها ١١ حرباً كبيرة بسبب صراع النفوذ على بحر البلطيق، وآخر هذه الحروب كانت في العام ١٨٠٩ حيث انتهت بتنازل السويد لروسيا عن منطقة فنلندا التي ضمّتها الى الإمبراطورية الروسية لتصبح دوقية فنلندا الكبرى حتى العام ١٩١٧.
الجدير ملاحظته أن حرب ١٨٠٩ غيّرت كثيراً في مصير البلدين الجارين السويد وفنلندا حيث تعبت السويد من الحروب المستمرة في أوروبا سواء ضد الروس أو ضد سواهم، فذهبت الى الحياد والنأي بنفسها عن الصراعات في أوروبا، وكانت آخر الحروب التي خاضتها في شهر آب عام ١٨١٤ مع النروج، ومنذ ذلك الحين ولأكثر من ٢٠٠ عام لم تخض السويد أي حرب.
وفي العام ١٨٣٤ إلتزمت السويد بالحياد وبقيت على حيادها هذا حتى الحرب العالمية الأولى ثم الحرب العالمية الثانية.
فنلندا من جهتها، والتي أصبحت جزءاً من روسيا حتى العام ١٩١٧ حين اندلعت الثورة البولشيفية في روسيا فطلبت الاستقلال ونالته فباتت دولة مستقلة حتى العام ١٩٣٩ مع اندلاع الحرب الكونية الثانية.
واجهت فنلندا حرباً ضد الاتحاد السوفياتي عُرفت ب "حرب الشتاء" نتيجة رفضها الإذعان لمطالب موسكو آنذاك، وقد اندلعت تلك الحرب بين البلدين في العام ١٩٣٩ لتنتهي في العام ١٩٤٠، كبّدت فيها فنلندا الاتحاد السوفياتي خسائر فادحة، لكن السوفيات تمكنوا من إلحاق الهزيمة بفنلندا وأجبرتها موسكو على الاستسلام لمطالبها.
انتصار موسكو على فنلندا كان بمثابة حافز لدى هتلر لمهاجمة الاتحاد السوفياتي باعتبار أن "جيشه من ورق" وأن عدده الكبير لا يشكّل أي خطر على المانيا، فكان قرار هتلر، وبناءً لهذا التوصيف، بغزو الاتحاد السوفياتي .
وبالفعل سنة ١٩٤١، غزت المانيا الاتحاد السوفياتي، فقرّرت فنلندا الانضمام لألمانيا رغبةً منها في الثأر لنفسها واستعادة الأراضي التي كان السوفيات قد استحوذوا عليها خلال حرب الشتاء.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وأمام انهزام ألمانيا النازية، وجدت فنلندا نفسها مرة جديدة من دون صديق أو حليف وهي في المجهول لمواجهة جيش السوفيات، فوافقت على شروط السوفيات كافة ووقّعتها في العام ١٩٤٨، حيث اعترف السوفيات بفنلندا دولة مستقلة لكن ملتزمة بسياسة الحياد أي أن لا تكون جزءاً من أي كتلة عسكرية في العالم يمثل خطراً على الاتحاد السوفياتي.
قرّرت فنلندا الاتكال على نفسها وقوتها في مواجهة تحديات الشرق السوفياتي ومن ثم الروسي فبنت جيشاً قوياً وتمسّكت بالحياد،
لكن الغزو الروسي لأوكرانيا في العام ١٩١٤ ومن ثم في العام ٢٠٢٢ أحيا هواجس القلق والفزع في المجتمع الفنلندي فارتفعت نسبة المؤيدين لحلف شمالي الاطلسي بغية الانضمام لهذا الحلف الى جانب السويد.
عجز موسكو عن حسم الحرب في أوكرانيا للسنة الثانية ووقوعها تحت ضغوط سياسية وعسكرية وديبلوماسية واقتصادية ضخمة أشار للفنلنديين والسويديين بإمكانية استخدام هذه اللحظة للانضمام الى الناتو.
موسكو إزاء انضمام فنلندا الى الناتو تعرّضت لصدمة بالغة الأهمية خصوصاً وأنها سعت من خلال عمليتها الخاصة كما تسميها في أوكرانيا الى منعها من الانضمام الى حلف الناتو، فاذا بفنلندا تفجّر لها المفاجأة المدوّية وهي لم تنتهِ من حربها ضد أوكرانيا،
وبالتالي ستجد روسيا نفسها مضطرةً للتحرّك ضد فنلندا والسويد، وهذا التحرّك سيكون محفوفاً بالمخاطر الجمّة، الأمر الذي يجعل الوضع مفتوحاً على السيناريوهات كافةً، فيما المحرّك الأساسي لدى كل الأطراف المعنّية هو الخوف، خوف فنلندا والسويد من اقتراب الخطر الروسي الى حدودهما، وحلف شمال الأطلسي الخائف من توسّع الحرب الروسية يسعى الى ضم فنلندا والسويد اليه، فيما روسيا الخائفة قد ترد بنشر الصواريخ التكتيكية والاستراتيجية وتشديد وجودها.
من المؤكد أن ثمة دول في حلف الناتو تخاف من المواجهة مع الروس، وهناك جدل قديم في أوروبا حول جدوى تحدّي موسكو بضم دول قريبة منها في أوروبا الى الناتو ضد الروس.
روسيا في موقف بالغ الصعوبة والإحراج لأنها شنّت الحرب على أوكرانيا وكان هدفها المعلن قطع الطريق على انضمام الأخيرة الى حلف شمال الأطلسي، فاذا بفنلندا التي تشترك مع روسيا بحدود ضخمة تبلغ ١٣٤٠ كلم والسويد القريبة منها يسعيان للانضمام الى الحلف، فهل تتحرّك موسكو مضطرة ضد فنلندا والسويد مع ما يتضمنه هذا التحرّك من مخاطر ويجعل المستقبل غامضاً في شمال أوروبا؟
روسيا تلقّت ضربة قاسية في شمال غربها الاستراتيجي، فكيف ستواجه انضمام فنلندا الى الناتو وهي غارقة في حمام دماء في أوكرانيا لا تبدو نهايته قريبة؟
انضمام فنلندا الى الناتو سيكون له تأثيرات مباشرة على الحرب في أوكرانيا، ومنها تسريع وتيرة التفاوض على حل أو تسوية لأوكرانيا من قبل الروس لينصرفوا الى مواجهة فنلندا والسويد في منطقة البلطيق الاستراتيجية والحيوية بالنسبة الى روسيا .