اسم الحزب يظهر في ملف التبرعات.. ماذا تخفي قصة "زايِر"؟

0

في الظاهر.. تبدو الحكاية واحدة من حملات التضامن التي اعتادت الجامعات البريطانية احتضانها في السنوات الأخيرة، طلاب يجمعون التبرعات، فعاليات تنظم داخل الحرم الجامعي، وحملات تحمل عناوين إنسانية مرتبطة بالأوضاع في لبنان، غير أن التدقيق في مسار الأموال والجهات المستفيدة من بعضها يقود إلى ملف أكثر حساسية، بعدما دخل اسم منظمة "زايِر" على خط التحقيقات والانتقادات في بريطانيا وسط مزاعم عن صلات بينها وبين جهات مرتبطة بحزب الله المصنف منظمة إرهابية ومحظورة في المملكة المتحدة منذ عام 2019، ما يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز العمل الخيري نفسه، لتصل إلى كيفية مراقبة الأموال التي تجمع في الجامعات، ومن يتولى التحقق من الجهات التي تستفيد منها، وما إذا كانت بعض هذه الأنشطة قد تجد نفسها مستقبلاً أمام تدقيق قانوني أوسع في بريطانيا أو الولايات المتحدة.

وبحسب معلومات ومتابعات بموقع "LebTalks"، فإن القضية أخذت منحى أكثر حساسية بعد ظهور معطيات عن حملات تبرع شاركت فيها جمعيات طلابية في عدد من الجامعات البريطانية لصالح "Zayir UK"، وهي جهة تقدم نفسها في إطار العمل الإنساني، فيما تشير تقارير بريطانية إلى أنها غير مسجلة كجمعية خيرية لدى هيئة Charity Commission في إنكلترا وويلز، الأمر الذي يطرح سؤالاً جوهرياً حول مستوى التدقيق الذي سبق عمليات جمع الأموال والترويج لها داخل المؤسسات الجامعية.

وتتحدث المعطيات عن نشاطات مرتبطة بجمعيات طلابية في جامعات عدة، بينها كينغز كوليدج لندن، إمبريال كوليدج، SOAS، جامعة وستمنستر، كوين ماري، رويال هولواي، وجامعة هيرتفوردشاير، فيما برزت أيضا فعاليات شاركت في الترويج لها جمعيات طلابية في جامعات أخرى، ما جعل القضية تنتقل من نطاق حملة تبرع محدودة إلى ملف يطال شبكة من الأنشطة التي جرت على امتداد أكثر من حرم جامعي.

وتزداد حساسية الملف مع الأرقام التي ظهرت في التحقيقات البريطانية، إذ أشارت المعطيات إلى جمع أكثر من 300 ألف جنيه إسترليني عبر أنشطة مرتبطة بZayir UK منذ انطلاقها، فيما تضمنت إحدى حملات الطوارئ الخاصة بلبنان خلال فترة الحرب مبالغ قاربت 189 ألف جنيه إسترليني وهي أرقام تجعل السؤال عن آليات الرقابة المالية أكثر الحاحاً، خصوصاً عندما تكون الجهة المستفيدة غير مسجلة كجمعية خيرية في بريطانيا، وتكون بعض أنشطة جمع الأموال قد جرت خارج القنوات المالية الرسمية للاتحادات الطلابية.

وفي واحدة من أكثر النقاط إثارة للانتباه، تشير المعلومات التي نشرتها جهات بريطانية إلى أن بعض الجمعيات الطلابية أعلنت صراحة عن تعاونها مع Zayir UK في حملات وفعاليات، بينها نشاطات لجمع التبرعات، فيما أظهرت مراجعات لاحقة أن إحدى الجمعيات الطلابية في رويال هولواي أعلنت عن تحويل 1820 جنيها إسترلينياً إلى جهة مرتبطة بـZayir UK، بالتزامن مع فتح تحقيق داخلي وتعليق نشاط جمعية Friends of Palestine Society إلى حين استكمال التدقيق، كما أبلغ اتحاد الطلبة القضية إلى Charity Commission، في خطوة تكشف حجم القلق الذي بدأ يتصاعد حول مسار الأموال والجهات التي وصلت إليها.

المسألة الأكثر حساسية في هذا الملف تتعلق بالجهة التي تقف خلف المنظمة وبطبيعة العلاقات التي يتم الحديث عنها، إذ تقول التحقيقات المنشورة إن Zayir UK تبدو مرتبطة بجمعية Zayer Charity Association في لبنان، فيما تستند الانتقادات إلى تصريحات سابقة لمسؤولين في المنظمة تحدثوا عن تعاون مع جهات اجتماعية مرتبطة بالحزب، إضافة إلى منشورات وصور أثارت تساؤلات حول طبيعة هذه الصلات، وهي معطيات تنفيها إدارة Zayir UK، التي تقول إن نشاطها إنساني ولا يستهدف تمويل أي نشاط سياسي أو عسكري.

وهنا يدخل الملف مرحلة أكثر دقة، كون المملكة المتحدة لا تضع الحزب على قوائم الحظر بصورة جزئية، إذ إن التنظيم محظور بالكامل منذ عام 2019، ويعتبر القانون البريطاني عضوية التنظيم أو دعمه جريمة، ما يعني أن أي جهة تجمع أموالاً لصالح منظمة ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بنشاط محظور يمكن أن تخضع لتدقيق قانوني مع بقاء مسألة المسؤولية الجنائية مرتبطة بالأدلة المتوافرة وبمعرفة الجهات المتبرعة أو المنظمة الوسيطة بطبيعة الجهة المستفيدة.

وبحسب قراءة قانونية نقلها خبير دستوري لموقعنا، فإن المسار الأخطر قد يبدأ في حال تمكنت الجهات المختصة من إثبات وجود تحويل أموال أو تقديم دعم مادي إلى جهة مصنفة إرهابية، أو في حال ثبت أن القائمين على جمع التبرعات كانوا على علم بطبيعة الجهة التي ستستفيد منها الأموال، إذ تصبح القضية عندها أكبر من مجرد مخالفة إدارية تتعلق بالتسجيل أو إجراءات جمع التبرعات، وقد تدخل في نطاق قوانين مكافحة تمويل الإرهاب، مع ضرورة التمييز قانونياً بين وجود صلات اجتماعية أو سياسية وبين وجود دليل على تقديم دعم مالي لنشاط إرهابي.

وبحسب الخبير الدستوري، تبرز أيضاً الزاوية الأميركية التي قد تكون موضع تدقيق مستقبلي، فوزارة الخزانة الأميركية سبق أن فرضت عقوبات على جهات لبنانية قالت إنها قدمت دعما أو غطاء للحزب، مستندة إلى الأمر التنفيذي 13224 الذي يستهدف الإرهاب وشبكات الدعم المرتبطة به، ما يعني أن أي ملف يثبت فيه وجود تمويل أو دعم مادي لكيان مصنف إرهابياً قد يستدعي دراسة مستقلة من جانب السلطات الأميركية، خصوصاً إذا ظهرت صلات مالية أو مصرفية أو معاملات تمر عبر النظام المالي الأميركي، غير أن إدراج جهة أو جمعية على قوائم العقوبات لا يحدث تلقائيا لمجرد ورود اسمها في تقارير صحافية، وإنما يحتاج إلى مسار قانوني وإثباتات ومعايير محددة لدى الجهة المختصة.

ومن هنا، فإن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه في بريطانيا لا يتعلق فقط بمن جمع الأموال ومن تبرع، وإنما بمن دقق في الجهة التي ستصل إليها هذه الأموال، ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول المنصات الجامعية إلى مساحة لجمع التبرعات لصالح جهات غير مسجلة رسميا كجمعيات خيرية، خصوصاً في حالة وجود ادعاءات عن علاقات مع تنظيم محظور في المملكة المتحدة، وهي نقطة دفعت رويال هولواي إلى تعليق نشاط إحدى الجمعيات الطلابية وفتح تحقيق، فيما واصلت جهات أخرى مطالبة الجامعات باتخاذ إجراءات مماثلة.

وتكشف القضية في جوهرها عن ثغرة أوسع من اسم منظمة واحدة، وهي الطريقة التي يمكن من خلالها أن تنتقل حملات التضامن من فضاء جامعي مفتوح إلى مسارات مالية يصعب على المتبرع العادي معرفة وجهتها النهائية، خصوصاً عندما تقدم الجهات نفسها تحت عناوين إنسانية جذابة فيما تبقى الروابط السياسية أو التنظيمية موضع جدل ونفي متبادل، وهنا تصبح الرقابة على مصادر الأموال ووجهتها جزءاً أساسياً من حماية العمل الخيري نفسه، لا سيما في بيئة قانونية بريطانية تعتبر الحزب تنظيماً محظوراً بكامل أجنحته.

وإذا كانت التحقيقات البريطانية قد وضعت حتى الآن عدداً من الجامعات والاتحادات الطلابية أمام أسئلة مباشرة حول ما جرى، فإن التطور الأهم قد يكون في المرحلة المقبلة، حيث ستتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الجهات الرقابية ستكتفي بمراجعة الإجراءات الإدارية داخل الجامعات، أم أن التدقيق سيتوسع نحو طبيعة التدفقات المالية والجهات المستفيدة منها، وعندها فقط يمكن معرفة ما إذا كان ملف "زايِر"سيبقى قضية جمع تبرعات أثارت جدلا واسعا، أم سيتحول إلى قضية قانونية أوسع تتداخل فيها قوانين مكافحة الإرهاب مع الرقابة المالية والعقوبات الدولية، في واحدة من أكثر القضايا حساسية التي تضع النشاط الخيري الطلابي في بريطانيا تحت المجهر.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: