الذكاء الاصطناعي… الوجه المضيء والظلّ المخيف

ARTIFICIAL INTE

كتبت المحامية الدكتورة ندين عراجي:

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطبيق الكتروني يثير الفضول، بل أصبح ثورة فكرية كاملة، اقتحم البيوت والعقول، وغيّر شكل المعرفة وطريقة الوصول إليها.

هو ليس كـ"غوغل" الذي يفتح لك أبواب البحث لتتوه بين آلاف الصفحات، بل هو عقلٌ يختصر الوقت، يجمع المعلومة، يشرحها، يحللها، ويضعها بين يديك بلغة يفهمها الجميع.

لقد أصبح بالنسبة للكثيرين مكتبةً متنقلة، ومعلماً لا يملّ، ومركزاً معرفياً يفتح الآفاق، ويوسّع المدارك، ويمنح الإنسان فرصة التعلم مهما كان عمره أو مستواه.

ومن حسناته أيضاً، أنه أعاد لكثيرين علاقتهم باللغة والقراءة والبحث.

فكم من شخص استعان به ليقوّي لغته، أو يصحح نصاً، أو يفهم درساً، أو يكتشف فكرة جديدة لم يكن ليصل إليها وحده.

إنه أداة مذهلة إذا استُعملت بوعي، لأنه لا يسرق العقل، بل قد يوقظه… ولا يقتل الفكر، بل قد يدفعه إلى التساؤل والتعلّم أكثر.

لكن الحقيقة التي لا بد من قولها، أن سلبيات الذكاء الاصطناعي ليست صنيعة التطبيق نفسه، بل صنيعة الإنسان حين يسيء استخدامه.

ومن أكثر الأمور إيلاماً، أننا بدأنا نفقد تلقائيتنا الإنسانية أمام ما نراه ونسمعه.

في السابق، حين كنا نشاهد مقطعاً حزيناً، كانت مشاعرنا تنساب بعفوية؛ نحزن، نتأثر، وربما نبكي.

أما اليوم، فقد سبق الشكُّ الإحساس.

صرنا قبل أن نتألم نسأل أنفسنا: "هل هذا حقيقي أم مصنوع بالذكاء الاصطناعي؟"

حتى الحزن أصبح متردداً… وحتى الدموع باتت تحتاج إلى دليل.

ومن أخطر السلبيات أيضاً، أن البعض لم يستخدم الذكاء الاصطناعي للمعرفة، بل للتظاهر بالمعرفة.

فكم من شخص ظهر أمام الناس بصورة الكاتب والمثقف والشاعر، بينما هو لا يملك لا لغةً رصينة، ولا فكراً حقيقياً، ولا حتى قدرة على صياغة فكرة بسيطة.

وكم قرأنا مقالات أُعجب بها الناس، بينما كاتبها الحقيقي كان تطبيقاً لا إنساناً.

وهنا تكمن الكارثة...

حين يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لخداع الناس، لا لتطوير الإنسان.

فالكتابة ليست كلمات منسقة فقط، بل روح وتجربة ووعي وإحساس.

والثقافة ليست نصاً جميلاً، بل تراكم فكر ومعاناة وقراءة وحياة.

أما الخطر الأكبر، فهو حين يصبح هذا العالم المفتوح في متناول أبنائنا وبناتنا بلا توجيه ولا رقابة.

حين يستخدمه الطالب ليحل فروضه المدرسية كاملة، لا ليفهمها.

حين يأخذ الجواب جاهزاً، فيربح علامة... ويخسر عقله.

وهنا لا يكمن الخطر في التطبيق، بل في تحويل أولادنا من جيل يفكر، إلى جيل ينسخ ويلصق.

فالطالب الذي يتعب في البحث، ويخطئ ثم يصحح، يبني عقله خطوة خطوة، أما من اعتاد الحلول الجاهزة، فسيكبر بعقل يعتمد على غيره في كل شيء.

أنا مع الذكاء الاصطناعي... نعم، وبقوة.

لكنني مع استخدامه كوسيلة مساعدة، لا كبديل عن الإنسان.

مع أن نستفيد من مخزون معلوماته الهائل، ومن قدرته على الشرح والتصحيح والتعليم، لكن دون أن نسمح له بإلغاء شخصيتنا أو قتل موهبتنا أو تزييف حقيقتنا.

فلنُصوّب البوصلة، بدءاً من أولادنا.

لنعلّمهم أن الذكاء الاصطناعي ليس طريقاً للهروب من التفكير، بل وسيلة لتقوية التفكير.

أن يستخدموه لفهم درس، لتصحيح خطأ، لتقوية لغة، لا لسرقة جهد ليس جهدهم.

أما للفئة الواعية التي تستسهل تسليم القلم للآلة، فأقول:

للكتابة أربابها...

وللكلمة أصحابها...

وللفكر بصمته التي لا يصنعها تطبيق.

دعوا القلم لصاحبه،

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يرتب الكلمات

لكنه لن يعرف يوماً كيف يكتب وجع إنسان، أو صدق شعور، أو نبض روح.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: