العميد شحادة لـLebTalks: البنتاغون يفتح "أخطر مسار أمني للبنان"

Untitled

يتقدم الاجتماع الأمني المرتقب في التاسع والعشرين من أيار إلى واجهة المشهد الإقليمي بوصفه محطة تتجاوز حدود التنسيق العسكري التقليدي، وسط مؤشرات متراكمة توحي بأن واشنطن تمضي نحو فتح مرحلة جديدة من المقاربات الأمنية على الجبهة اللبنانية الجنوبية، في ظل تصاعد القلق الدولي من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها لاحقاً.

وفي قراءة للعميد المتقاعد منير شحادة، فإن المعطيات المتوافرة حتى الآن توحي بأن المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية تنتقل تدريجياً من إطار "إدارة الاشتباك" إلى محاولة رسم معادلة أمنية طويلة الأمد، برعاية أميركية مباشرة وعلى مستويات عدة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والسياسية والاستراتيجية.

ويشير شحادة عبر موقع LebTalks إلى أن التطور الأكثر دلالة يتمثل في حديث وزارة الخارجية الأميركية للمرة الأولى عن إطلاق مسار أمني داخل البنتاغون في التاسع والعشرين من الجاري، على أن يتبعه مسار سياسي في وزارة الخارجية الأميركية مطلع حزيران، الذي يعكس انتقال المقاربة الأميركية من منطق التهدئة الموقتة إلى إدارة عملية تفاوضية متكاملة ذات أبعاد أمنية وعسكرية وسياسية في آن واحد.

وبحسب المعلومات المتداولة، فإن مشاركة وفد عسكري لبناني باتت شبه محسومة، مع حديث عن حضور ستة ضباط من الجيش اللبناني إلى لقاء يعقد داخل البنتاغون، مقابل وفد عسكري إسرائيلي مماثل وتحت إشراف أميركي مباشر، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز الشكل البروتوكولي المعتاد. ويرى شحادة أن هذا التطور يفتح الباب أمام أربع دلالات أساسية.

الدلالة الأولى ترتبط بمحاولة أميركية لإنشاء قناة عسكرية مباشرة وغير معلنة، انطلاقاً من قناعة لدى واشنطن بأن أي تفاهم سياسي لا يستند إلى آلية أمنية ميدانية قابلة للتنفيذ سيبقى عرضة للانهيار عند أول اختبار، ومن هنا، يتم العمل على بناء غرفة تنسيق أو آلية اتصال عسكرية تتقاطع مع تجربة "اللجنة الثلاثية" في الناقورة بعد عام 2006 لكنها تبدو أوسع نطاقاً وأكثر تعقيداً.

يضيف أن الفارق الجوهري اليوم يكمن في طبيعة الأهداف المطروحة، فإسرائيل تسعى إلى ترتيبات تتجاوز القرار 1701، فيما تعمل الولايات المتحدة على تثبيت تهدئة طويلة الأمد، بينما يحاول لبنان الرسمي تفادي الانزلاق نحو حرب استنزاف مفتوحة. لذلك، فإن وجود ضباط لبنانيين على طاولة النقاش يعني أن البحث لن يبقى ضمن الإطار السياسي النظري، بل سيدخل في تفاصيل ميدانية دقيقة تشمل خطوط الانتشار، وقواعد الاشتباك، وآليات المراقبة الجوية، والضمانات الأمنية، وربما مستقبل السلاح جنوب الليطاني.

أما الدلالة الثانية، فتتصل بمحاولة إسرائيل تحويل الهدنة الحالية إلى واقع أمني دائم، ويقول شحادة إن الموقف الإسرائيلي يكاد يكون ثابتاً في معظم التقارير الدولية، ويتمحور حول إبعاد خطر المسيرات والصواريخ، وإنشاء شريط أمني عملي ولو من دون إعلان رسمي، ودفع الجيش اللبناني إلى تولّي مسؤوليات أمنية أوسع، إضافة إلى إدخال ملف سلاح حزب الله إلى إطار التفاوض غير المباشر.

غير أن العقدة الأساسية وفق شحادة، تكمن في التباين الجذري بين أهداف الطرفين، فلبنان الرسمي يتعامل مع المفاوضات من زاوية وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتثبيت الانسحاب، وتكريس السيادة والعمل على ملف الأسرى، بينما تنظر إسرائيل إلى المسار التفاوضي باعتباره مدخلاً لبحث مسألة سلاح المقاومة جنوباً، وربما على مستوى لبنان بأكمله في مراحل لاحقة.

الدلالة الثالثة تتعلق بربط واشنطن الساحة اللبنانية بالتحولات الإقليمية الكبرى، ويؤكد شحادة أن الإدارة الأميركية تدرك حجم الكلفة المترتبة على أي مواجهة مفتوحة مع إيران، كما تدرك أن الجبهة اللبنانية تبقى من أكثر ساحات الاستنزاف حساسية بالنسبة إلى إسرائيل، ما يدفعها إلى السعي نحو تبريد هذه الجبهة بأي ثمن تقريباً، ولا سيما في ظل استمرار التوتر الإقليمي وارتفاع منسوب التهديدات المرتبطة بتوسيع رقعة الحرب.

ويلفت إلى أن بعض الدوائر الغربية تنظر إلى نجاح المسار اللبناني بوصفه نموذجاً يمكن البناء عليه لترتيبات أمنية أوسع في المنطقة، خصوصاً إذا شهدت المفاوضات الأميركية - الإيرانية تقدماً خلال المرحلة المقبلة.

أما اختيار البنتاغون مقراً للاجتماع، فلا يراه شحادة تفصيلاً عادياً، إذ إن نقل الملف إلى المؤسسة العسكرية الأميركية يعني بحسب تقديره، أن النقاش دخل مرحلة عملياتية مباشرة، وأن واشنطن تريد إدارة التفاهمات الأمنية بنفسها مع العمل على إعداد آليات تنفيذ ومراقبة ميدانية، في وقت تتزايد فيه المؤشرات إلى رغبة أميركية بإبعاد فرنسا عن هذا المسار بصورة شبه كاملة.

وفي ما يتعلق بإمكانية أن يقود هذا المسار إلى تطبيع سياسي، يعتبر شحادة أن المعطيات الحالية لا تظهر وجود توجه رسمي لبناني نحو اتفاق سلام مباشر مع إسرائيل، خصوصاً أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة شددا في أكثر من مناسبة على أن الأولوية تنحصر بوقف الحرب، وتثبيت الانسحاب الإسرائيلي، وتطبيق القرارات الدولية.

إلا أن شحادة يلفت في المقابل إلى تصاعد الخطاب الأميركي والإسرائيلي الذي يتحدث عن "فرصة تاريخية" و"ترتيبات طويلة الأمد" و"استقرار دائم" وهي مصطلحات غالباً ما تُستخدم عندما تكون الأهداف النهائية أبعد من مجرد وقف إطلاق نار موقت.

وعن السيناريوهات المحتملة لما بعد الاجتماع، يرجح شحادة أن تشهد المرحلة القريبة تمديداً إضافياً للهدنة، إلى جانب إنشاء آلية أمنية مشتركة غير مباشرة، وتوسيع دور الجيش اللبناني جنوباً وربما التوصل إلى تفاهمات مرتبطة بمناطق حساسة أو بآليات مراقبة جوية وتقنية.

أما على المدى المتوسط، فقد تتجه الأمور نحو مفاوضات أكثر عمقاً بشأن الحدود والنقاط المتنازع عليها، مع احتمال الدفع باتجاه ترتيبات أمنية دائمة جنوب الليطاني، بالتوازي مع تصاعد الضغوط الدولية لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.

ويحذر شحادة من أن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في تحول المسار الأمني تدريجياً إلى محاولة فرض معادلة سياسية جديدة داخل لبنان تحت عنوان "الاستقرار مقابل إعادة هندسة الواقع الأمني" ،الأمر الذي قد يفتح الباب أمام صدام داخلي - إقليمي بالغ الحساسية، باعتبار أن ملف سلاح حزب الله لا يرتبط بالساحة اللبنانية وحدها، بل يتصل مباشرة بالتوازن الإيراني - الإسرائيلي في المنطقة بأسرها.

ويختم شحادة بالتأكيد أن اجتماع التاسع والعشرين من أيار لا يمكن التعامل معه كاجتماع عابر، انما كبداية مرحلة تفاوضية جديدة ترعاها واشنطن عبر مسارين متوازيين: أمني داخل البنتاغون، وسياسي داخل وزارة الخارجية الأميركية، مشيراً إلى أن مشاركة ضباط لبنانيين تعني عملياً انتقال النقاش إلى تفاصيل ميدانية تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية ولا سيما مع تداول معلومات عن بحث إنشاء وحدة خاصة داخل الجيش اللبناني تكون مهمتها التعامل مع ملف سلاح الحزب، وهو أمر قد يثير حساسيات كبيرة داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

ويشدد على أن مستقبل هذا المسار سيبقى رهناً بثلاثة عوامل أساسية: موقف الحزب ومسار التفاوض الأميركي -الإيراني وقدرة إسرائيل على تحمّل حرب استنزاف طويلة في حال فشل التفاهمات.

وبين هذين الاحتمالين، تبدو المنطقة أمام مفترق بالغ الدقة، إما نحو تثبيت تهدئة طويلة الأمد بتفاهمات أمنية جديدة، وإما نحو انهيار المسار بالكامل والعودة إلى مواجهة أكثر اتساعاً وقسوة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: