كتب المحامي ميشال فلاح:
في الدولة الحديثة، لا تُترك بعض المهن لمنطق الحرية الفردية المطلقة أو لقواعد السوق وحدها، لأن ممارسة هذه المهن لا تؤثر فقط في صاحبها، بل تطاول حقوق المجتمع وثقته وسلامته. فحين يتعلق الأمر بالعدالة، والصحة، والسلامة العامة، والاختصاصات العلمية الدقيقة، تصبح الحاجة إلى تنظيم مهني مستقل ليست امتيازاً لفئة معينة، بل ضرورة من ضرورات دولة القانون.
من هنا نشأ مفهوم النقابة التنظيمية (Ordre professionnel)، ولا سيما في النظام القانوني الفرنسي، باعتباره أحد أبرز أشكال التنظيم الذاتي المهني تحت إشراف القانون. فالـ Ordre ليس نقابة مصالح بالمعنى التقليدي، وليس اتحاداً مطلبياً يدافع عن شروط العمل أو المصالح الاقتصادية لأعضائه، بل هو هيئة قانونية ذات وظيفة عامة، ينشئها المشرّع، ويمنحها صلاحيات تنظيمية ورقابية وتأديبية بهدف حماية المهنة وحماية الجمهور في آن واحد.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين مفهومين غالباً ما يختلطان في الحياة العامة: الـ Ordre والـ Syndicat. فالنقابة المهنية التنظيمية تهدف إلى ضمان حسن ممارسة المهنة، ووضع قواعد السلوك، وتنظيم شروط الانتساب، ومراقبة الالتزام بالواجبات المهنية، بينما يعبّر الـ Syndicat، في الأنظمة الديمقراطية، عن تجمع إرادي لأصحاب مصلحة مشتركة للدفاع عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية أو المهنية.
كلا الإطارين مشروع ومهم، لكن الخلط بينهما يؤدي إلى خلل وظيفي خطير. فالمهنة التي ترتبط بالصالح العام تحتاج إلى هيئة لا تكتفي بتمثيل أصحابها، بل تتحمل مسؤولية تجاه المجتمع بأسره.
ولهذا السبب، عرفت الأنظمة القانونية المقارنة، وخصوصاً النظام الفرنسي، إنشاء هيئات تنظيمية مستقلة لمهن محددة، مثل المحامين والأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان والمهندسين وغيرهم. وقد تطور دور هذه الهيئات من مجرد مراقبة شكلية للانتساب إلى منظومة متكاملة تشمل وضع قواعد الأخلاق المهنية، تنظيم التدريب المستمر، حماية استقلالية الممارس، وممارسة السلطة التأديبية عند الإخلال بواجبات المهنة.
فالمحاماة، مثلاً، لا يمكن اختزالها في تقديم خدمات قانونية مقابل أتعاب، لأنها ترتبط بحق الدفاع وبحسن سير العدالة. والطب لا يمكن اعتباره مجرد علاقة تعاقدية بين طبيب ومريض، لأنه يتصل مباشرة بالحق في الصحة وبسلامة الإنسان. وكذلك الأمر بالنسبة للهندسة والصيدلة وسائر المهن التي تحمل أثراً مباشراً على حياة الأفراد ومصالحهم.
من هذه الزاوية، تبدو التجربة اللبنانية بحاجة إلى إعادة قراءة عميقة لمفهوم التنظيم المهني. فلبنان يمتلك تاريخاً نقابياً عريقاً، ويضم نقابات مهنية نشأت في إطار قوانين خاصة، إلا أن الممارسة العملية أظهرت في العقود الأخيرة تراجعاً في الوظيفة التنظيمية لصالح أدوار أخرى، غالباً ما تكون مطلبية أو سياسية أو انتخابية.
المشكلة ليست في العمل المطلبي بحد ذاته، فهو عنصر أساسي في أي مجتمع ديمقراطي، بل في تحوّل بعض الهيئات التي يفترض أن تكون مرجعيات تنظيمية إلى مجرد أطر للدفاع عن مصالح أعضائها، بما يضعف قدرتها على ممارسة دورها الرقابي والتأديبي والتطويري. فالهيئة المهنية التي لا تملك القدرة على مساءلة أعضائها تفقد جزءاً أساسياً من مبرر وجودها.
إن أول المستفيدين من وجود نقابات تنظيمية فعالة ليسوا أصحاب المهن فقط، بل الرأي العام. فالمواطن يحتاج إلى معرفة المرجعية التي يراجعها عندما يتعرض لضرر مهني أو عندما يحتاج إلى التأكد من أن من يقدم له خدمة متخصصة يخضع لمعايير واضحة. إن التنظيم المهني هو قبل كل شيء آلية لبناء الثقة العامة.
كما أن النقابات التنظيمية تشكل أحد مكونات الديمقراطية المؤسساتية. فالحياة الديمقراطية لا تختصر بالانتخابات السياسية، بل تحتاج إلى فضاءات يومية يتعلم فيها الأفراد ممارسة المسؤولية والاختيار والمحاسبة. ولهذا كانت الهيئات المهنية والطالبية تاريخياً مدارس حقيقية للمشاركة العامة وإنتاج القيادات.
إن إصلاح الحياة النقابية في لبنان لا يجب أن ينطلق من مقاربة عددية أو شكلية، أي من إنشاء المزيد من الأطر، بل من إعادة تحديد وظيفة النقابة نفسها. المطلوب هو تعزيز مفهوم الـ Ordre professionnel حيث تدعو الحاجة، عبر قوانين تنظيمية واضحة، تمنح الهيئات المهنية استقلالية حقيقية، ولكن تربطها في الوقت نفسه بمسؤولية قانونية وأخلاقية تجاه المجتمع.
فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرة مؤسساتها الدستورية على العمل، بل أيضاً بقدرة قطاعاتها المهنية على تنظيم نفسها وفق قواعد الشفافية والكفاءة والمساءلة. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للنقابات التنظيمية في لبنان ليست مسألة مهنية ضيقة، بل هي جزء من مشروع أوسع لإعادة بناء دولة القانون.
فالفرق بين مجتمع تحكمه المؤسسات ومجتمع تحكمه الفوضى يكمن أحياناً في التفاصيل التي تبدو تقنية: من يضع قواعد المهنة؟ من يراقب احترامها؟ ومن يحاسب عند تجاوزها؟
وهنا تحديداً تظهر قيمة الـ Ordre professionnel: فهو ليس سلطة فوق المهنة، بل ضمانة للمهنة وللمجتمع معاً.