كتب سعد كيوان:
استعادة لبنان سيادته وانتزاع السلطة لقرارها الحر بعدما كان منذ اكثر من أربعين سنة تحت وصاية نظام الاسد الذي انهار اخيراً قبل سنة ونصف السنة، ثم انتقل لبنان إلى وصاية ايرانية. وأهم وأجرأ قرار اتخذه الحكم الحالي هو قرار نزع سلاح ميليشيا "حزب الله" الايرانية التي تم حظرها وتكريس احتكار الدولة لسلطة السلاح، وهكذا اصبح "حزب الله" خارجاً عن القانون (5 اب 2025).
ثم الخيار الديبلوماسي بالشروع بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل من أجل تحقيق الانسحاب الإسرائيلي وتحرير الاسرى وعودة النازحين واعادة الإعمار كمخرج وحيد لوقف القتل والدمار بعيداً من العنتريات والمراجل والخيارات الإنتحارية في مواجهة محتل يتفوق عسكرياً وتسليحاً وتقنياً وتكنولوجياً ويحظى بدعم اميركي، ما ادى إلى اتفاق ينص على الانسحاب ولو بشكل تدريجي وعودة النازحين فيما تصر ايران عبر ذراعها "حزب الله" على الاستمرار في القتال والتضحية باهل الجنوب كي يبقى لبنان ورقة مساومة في يد ملالي طهران.
غير ان هذا التطور الذي جعل اكثر من 600 كيلومتر من الأراضي اللبنانية في الجنوب وأكثر من ستين بلدة وقرية تحت الاحتلال، ووضع "حزب الله" في الزاوية ميدانياً وسياسياً، احرج "الأخ الأكبر" نبيه بري الذي يجيد لعبة المناورة والإمساك بأكثر من من ورقة تمكنه من البقاء سيد اللعبة داخلياً وناسج خيوطها اقليمياً، ما اضطرّه إلى اللجوء بشكل واضح وعلني إلى حضن الملالي للاستعاضة عن أرانبه التي اصبحت منهكة.
شن رئيس المجلس النيابي في البداية حملة على صيغة الإطار الذي اعتبره اسوأ عشر مرات من اتفاق 17 ايار الذي تم التوصل اليه في اول مفاوضات مع إسرائيل عام ١٩٨٣، مؤكداً انه سيسقط.
وكانت إسرائيل اجتاحت يومها لبنان ووصلت إلى بيروت، وتمكنت من اخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان بوساطة أميركية. لكن ذلك الاتفاق لم يبصر النور لان حافظ الاسد حرض حلفاءه بري ووليد جنبلاط وسليمان فرنجيه الجد ورشيد كرامي على رفض الاتفاق وأوعز اليهم بتشكيل ما اصطلح على تسميته "جبهة الخلاص" لاسقاط الاتفاق، ومارس بالمقابل ضغطاً على الحكم في لبنان فاضطر الرئيس اللبناني يومها امين الجميل إلى عدم التوقيع عليه مستبقاً ما يحلو لبري، الوافد حديثاً على الساحة (1980)، نسب التراجع عنه الى "انتفاضة 6 شباط” 1984.
اما اليوم فزمن الاول تحول، اذ ان الاسد اضطرّ إلى الهرب، وانتهى دعم التنظيمات الفلسطينية، ولم يعد من سلاح يصل من الاتحاد السوفياتي السابق لاعادة انشاء جبهة يتزعمها بري الذي اصبح عملياً وحيداً في حال اراد القيام بمثل تلك الخطوة، فهذا جنبلاط اعلن انه لن يشارك في اي محاولة لالغاء الاتفاق او اسقاط الحكومة رغم تحفظه على بعض ما ورد في مضمونه. اما الأحفاد أولهم سليمان فرنجيه فقد فرضت عليه اميركا عقوبات بسبب دعمه "حزب الله"، والآخر فيصل كرامي ابن شقيق رئيس الحكومة السابق فقد نقل البارودة من كتف إلى كتف، وأعاد تموضعه كسنيّ داخلياً مع الحكم وعربياً في صف السعودية.
ناهيك عن صعوبة انخراط رئيس التيار العوني جبران باسيل في هكذا لعبة لانها ستزيد من عزلته مسيحياً وتخسره مزيداً من المقاعد الانتخابية في الانتخابات المقبلة التي يبدو انها ستجري في الخريف المقبل بعدما تم تأجيلها سنتين بسبب اندلاع الحرب. وجل ما يمكن ان يجمعه الان بري في حال سلك هذا الطريق لن يتجاوز الخمسة وثلاثين نائباً اي اقل بكثير من نصف عدد المجلس.
اما النظام السوري الجديد فقد اوفد وزير خارجيته اسعد الشيباني الذي قام بجولة على المسؤولين والقادة السياسيين، وخص بري بزيارة كونه الممثل الشيعي الأبرز وذات صفة شرعية رسمية في الحكم، وبدت الخطوة وكانها تاكيد لعزل سوري-عربي لـ"حزب الله" ما زاد ايضاً من احراج بري.
وكانت الرسالة الاهم هي اللقاء الشعبي الواسع الذي استقبل به الشيباني في طرابلس حيث بات ليلته، وكان لها مدلولات معبرة لا شك ان رئيس حركة امل قد التقطها.
هذا الواقع ليس غريباً عن بري المخضرم (رئيس حركة امل منذ ١٩٨٠ ورئيس المجلس منذ ١٩٩٢) الذي عاصر منذ ثلاثة وأربعين سنة اتفاق 17 ايار 1983 وهو يعاصر اليوم الاتفاق-الإطار، ويدرك من دون شك الظروف التي يمر بها البلد والمعادلات الجديدة التي فرضتها، ما اضطرّه إلى التراجع او التغيير في موقفه الذي اعتبر فيه بداية ان اتفاق واشنطن اسوأ بكثير من اتفاق 17 ايار 1983، وانه لن يمر وسيسقطه في البرلمان، فتراه يلجأ إلى طرح "تسوية"، مع من؟ متمنياً ان تتفيأ ايران تحت مظلة ثلاثية أميركية-سعودية-ايرانية يحاول من خلالها اعادة ادخال طهران الى الساحة اللبنانية، وتسمح له في الوقت عينه من استعادة دوره المفضل كوسيط ما يمكنه من المحافظة على وزنه في الشارع الشيعي مقابل اضطرار ايران لتحجيم "حزب الله".
ادراك بري ان مذكرة التفاهم الاميركية-الإيرانية متعثرة وربما تتحول مجدداً إلى صدام قد يودي إلى ان يطلق ترامب يد نتنياهو في لبنان بدءاً باعطائه الضوء الأخضر لكي يقتحم تلة علي الطاهر وتصفية او اعتقال من في داخلها من قياديين وأعضاء من الحرس الثوري الإيراني، وإحراج طهران، على طريق انهاء "حزب الله" كما يحصل عملياً لميليشيات "الحشد الشعبي" في العراق.