تسارعت الوقائع على نحو لافت خلال ساعات معدودة، فانزلق المشهد من توتر مفتوح بين رئيس الجمهورية جوزاف عون و"حزب الله" إلى تباين سياسي مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، على خلفية توصيف الأخير لمواقف عون بأنها غير دقيقة، في إشارة عكست عمق الالتباس داخل دوائر القرار.
الاشتباك بقي محصوراً في مسألة تنسيق المواقف بين الرئاستين، بعيداً من ملف التفاوض مع إسرائيل، إلا أنّ دلالاته تجاوزت الإطار التقني لتكشف خللاً أعمق في إدارة المرحلة، حيث تتقدم التباينات على حساب صياغة مقاربة موحدة.
عملياً، لم يعد انعقاد لقاء "الترويكا" في بعبدا وارداً في توقيته السابق، ليحل الاتصال الهاتفي بديلاً هشاً، يعكس تعثر مساعي التهدئة، في ظل انقسام داخلي يقيد قدرة لبنان على توحيد موقفه قبيل أي مسار تفاوضي مرتقب في واشنطن.
في موازاة ذلك، جاء موقف النائب حسن فضل الله حاسماً برفض أي طرح يعيد إحياء "الحزام الأمني" جنوباً، معتبراً أن بعض الخيارات المطروحة تفتقر إلى الغطاء الوطني، الذي يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد.
ضمن هذا الإطار، يلفت المحامي والناشط السياسي أنطوان نصرالله في حديث إلى LebTalks، إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يمتلك معطيات دقيقة، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما يفسر غياب أي اعتراض واضح منه على مسار المفاوضات المباشرة، في دلالة على اطلاعه المسبق على تفاصيلها.
انطلاقاً من ذلك، يرجح نصرالله أن رئيس الجمهورية لن يُقدم على أي خطوة تفاوضية من دون المرور بعين التينة، بما يعكس تداخلاً إلزامياً في القرار السياسي عند هذا المستوى.
ويشير إلى إدراك بري لحساسية المرحلة التي تمر بها الطائفة الشيعية، في لبنان والمنطقة، في ظل تحولات قاسية بدأت بخسارة الحليف الاستراتيجي في سوريا مع سقوط نظام الأسد، مروراً بالمأزق الذي تواجهه إيران، وصولاً إلى فقدان رمز بحجم حسن نصرالله، ما يجعل أي شرخ إضافي عبئاً يصعب احتماله، في وقت تبدو فيه ملامح عدم الارتياح واضحة داخل بيئة "الثنائي"، حتى في أداء بعض المنابر الإعلامية المحسوبة عليه.
ويخلص إلى أن هذا الواقع يدفع "الثنائي" نحو مزيد من التضامن وإظهار تماسك سياسي، ولو في حده الشكلي، مع بقاء علامات الاستفهام مفتوحة حول مدى قدرة هذا التماسك على الصمود.
في موازاة النقاش الدائر حول طبيعة المفاوضات، يذكر نصرالله بأن التجربة اللبنانية لطالما شهدت قنوات تفاوض مع إسرائيل، سواء عبر وسطاء أميركيين أو من خلال ضباط "اليونيفيل"، ما يجعل الفارق اليوم مرتبطاً بزخم الاندفاعة الغربية نحو إنتاج صيغة اتفاق.
ويعتبر أن الاتجاه لا يذهب بالضرورة نحو اتفاقية سلام شاملة، انما قد يفضي إلى هدنة طويلة الأمد، تتضمن تثبيت الحقوق البرية على غرار ما حصل في الترسيم البحري، مع ما يستتبع ذلك من تبدل في الأولويات، ولا سيما في ما يتصل بشعارات التحرير، مقابل الحفاظ على الجغرافيا اللبنانية المعترف بها دولياً.
ويشدد نصرالله على أن واقع الحرب يفرض التفاوض كخيار لا مفر منه، غير أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ التفاوض بحد ذاته، وإنما في هوية الجهة التي تتولاه وشكله، وهما عنصران يكتسبان حساسية استثنائية لا يمكن التقليل من شأنها.
وفي مقاربة أكثر حدة، يدعو نصرالله "حزب الله" إلى حسم موقعه بوضوح داخل الدولة، من خلال الإجابة عن سؤال بديهي يتصل بدوره كمكوِن مشارك في السلطة، سواء عبر الحكومة أو المجلس النيابي، ومدى التزامه بالقوانين اللبنانية، معتبراً أن ازدواجية الموقع بين العمل المؤسساتي والتموضع خارج إطار الدولة تبقى حالة غير مسبوقة يصعب استمرارها.
ويختم بالإشارة إلى أن مسار "حزب الله" لم يعد قابلاً للاستدامة، في ضوء تحولات إقليمية متسارعة، وضغط متنام داخل بيئة الحزب، إلى جانب كلفة باهظة تتحملها الدولة اللبنانية على المستويين الاقتصادي والسياسي، ما يضع الحزب أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الذهاب نحو تفجير الداخل، أو العودة إلى كنف الدولة والانخراط في تنسيق فعلي معها بحثاً عن نقاط تقاطع تتيح إنتاج نموذج أكثر استقراراً.