في تاريخ لبنان، يُحفظ اسم رئيس الجمهورية من موقفه ساعة الخطر. ليس من الخطابات ولا من الصور الرسمية، بل من اللحظة التي يُوضع فيها البلد بين الحرب والدولة، بين الفوضى والسيادة، بين منطق الساحة ومنطق الوطن. واليوم، يقف الرئيس جوزاف عون أمام هذا الامتحان، وقد اختار أن يكون موقفه واضحاً: لا أحد يملك حق توريط لبنان بحرب خدمةً للآخرين.
حين قال إنّ "الخائن هو من يورّط لبنان بالحرب خدمةً للآخرين"، لم يكن يطلق عبارة عابرة للاستهلاك السياسي، بل كان يوجّه ضربة مباشرة إلى جوهر الأزمة اللبنانية المستمرة منذ عقود: قرار الحرب ليس بيد الدولة. وهذه هي المرة الأولى منذ سنوات طويلة التي يصدر فيها عن رأس الدولة موقف بهذا الوضوح تجاه من يستخدم لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
كلام جوزاف عون يكتسب أهميته لأنه يأتي في لحظة تعب لبناني شامل. اللبنانيون أنهكتهم الحروب، النزوح، الانهيار المالي، هجرة أولادهم، وانعدام أي أفق. لذلك، حين يتحدث الرئيس بهذه اللغة، فهو لا يعبّر فقط عن موقع دستوري، بل عن نبض شريحة واسعة من اللبنانيين التي لم تعد تقبل أن يُدفع دمها ثمناً لمعارك الآخرين.
في الماضي، واجه رؤساء كثر أحداثاً كبرى، لكن مواقفهم اختلفت. فؤاد شهاب واجه انقسام 1958 ببناء المؤسسات، فاختار الدولة. شارل حلو واجه ضغط السلاح الفلسطيني، ومع اتفاق القاهرة خسر لبنان جزءاً من سيادته. سليمان فرنجية دخلت البلاد في عهده الحرب الأهلية، وتقدّمت البنادق على الدولة.
بشير الجميّل وصل إلى الرئاسة في لحظة انهيار شامل، حاملاً مشروعاً غير مألوف في ذلك الزمن: إنهاء زمن الميليشيات والوصايات، وبناء دولة واحدة وجيش واحد وقرار لبناني حر لا يُصادره الداخل ولا الخارج. أراد نقل لبنان من منطق الجبهات إلى منطق الدولة، ومن تعدد البنادق إلى سلطة مركزية واحدة. لكن اغتياله بعد أيام من انتخابه لم يكن استهدافاً لشخصه فقط، بل إسقاطاً لمحاولة مبكرة وجريئة لاستعادة الجمهورية قبل أن تبدأ.
أمين الجميّل تسلّم الرئاسة في ذروة الاجتياح الإسرائيلي والانقسام الداخلي، وحاول إعادة تثبيت الدولة وسط تعدد الجيوش والولاءات. رينيه معوّض جاء مع اتفاق الطائف حاملاً فرصة مصالحة وبداية استعادة الدولة، لكنه اغتيل سريعاً قبل أن يكرّس هذا المسار. الياس الهراوي أنهى الحرب عبر اتفاق الطائف لكن تحت سقف الوصاية السورية. أما ميشال سليمان، فحاول حماية لبنان بإعلان بعبدا وتحييده عن صراعات المنطقة. فيما ميشال عون شهد الانهيار الأكبر من دون معالجة أصل الخلل السيادي.
أما جوزاف عون، فحدث عهده الأساسي حتى الآن هو محاولة جرّ لبنان مجدداً إلى حرب لا قرار للدولة فيها. وهنا اختار التموضع حيث يجب أن يكون أي رئيس: خلف لبنان، لا خلف المحاور. خلف الجيش والمؤسسات، لا خلف السلاح الموازي. خلف حق الناس بالأمان، لا خلف منطق الجبهات المفتوحة.
قوة موقفه أيضاً أنه كسر لغة الخوف. في لبنان، اعتاد كثيرون التلميح بدل التصريح عندما يتعلق الأمر بالسلاح الخارج عن الدولة. أما هو، فسمّى الأمور بأسمائها: من يجرّ البلد إلى الحرب ليس بطلاً، بل يعتدي على المصلحة الوطنية. وهذه نقلة سياسية ومعنوية في خطاب الرئاسة.
ما يقوله جوزاف عون اليوم يشبه ما يشعر به اللبناني الذي خسر منزله، أو الذي أقفل متجره، أو الذي ودّع ابنه إلى الهجرة. هؤلاء لا يريدون انتصارات خطابية، بل دولة طبيعية. يريدون رئيساً يقول إن حياة اللبنانيين ليست تفصيلاً، وإن لبنان ليس منصة رسائل لأحد.
إذا كان بعض الرؤساء أداروا الأزمات، فإن جوزاف عون يحاول مواجهة أصل الأزمة: من يملك قرار الحرب؟ وإذا كان البعض اكتفى بمسايرة الوقائع، فهو يطرح إعادة الاعتبار للدولة كمرجعية وحيدة للسلم والحرب.
ومن هذه الحقيقة الحاسمة يبدأ الحل الحقيقي لأزمة لبنان. فحين يعود قرار الحرب إلى الدولة، يصبح باب التفاوض مفتوحاً لإنهاء الحرب المفتعلة، لا لتكريسها. وحين تتكلم المؤسسات باسم لبنان، لا السلاح الموازي، تتحول المفاوضات من تهمة إلى ضرورة وطنية، ومن خيار ضعيف إلى الطريق الوحيد لحماية الأرض والناس والاقتصاد.
لهذا السبب، لا يُقاس موقفه فقط بما قاله، بل بما يمثّله. هو إعلان بأن زمن استخدام لبنان بلا اعتراض لم يعد مسلّماً به. وأن الرئاسة يمكن أن تعود صوتاً للدولة لا شاهداً على تراجعها.
في تاريخ الرؤساء، هناك من مرّ بهدوء، وهناك من التصق اسمه بمحطة مفصلية. أما جوزاف عون، فيبدو أنه اختار أن يُكتب اسمه في لحظة يقول فيها اللبنانيون بوضوح: كفى حروباً على أرضنا.