في بلدٍ تُثقل كاهله الأزمات وتضيق فيه الآفاق أمام الشباب، خرج اسم كريستوفر فغالي ليكسر القاعدة ويعيد رسم حدود الممكن. من حلبات "الكارتينغ" إلى منصّة التتويج في بطولة الـEurocup 3، يكتب السائق اللبناني الشاب فصلاً غير مسبوق في تاريخ الرياضة الميكانيكية العربية، بعدما أصبح أوّل لبناني وعربي يفوز بسباق لهذه الفئة الأوروبية المُتقدّمة.
في السياق، أشار بطل الراليات وحامل الرقم القياسي في موسوعة "غينيس" لأطول Drift على الاطلاق عبدو فغالي، والد السائق كريستوفر فغالي في حديث خاص لموقع LebTalks إلى أن "كريستوفر ينتمي إلى عائلةٍ عريقة في عالم الرياضة الميكانيكية، ولا سيّما في لبنان، لكنّه اختار أن يشقّ طريقه الخاص في سباقات الـSingle Seater".
أضاف: "حتى عند بداية مشاركاته بسباقات "الكارتينغ" في الشرق الأوسط، كنّا نكتسب الخبرة خطوةً بخطوة. وتكرّر الأمر ذاته عندما تُوّج ببطولة العالم Rotax في أوروبا العام 2022، حيث كانت التجربة جديدة بكل تفاصيلها".

كما كشف عن أنّ "هذا التحدّي منحنا عزيمةً مضاعفة، ودفعنا إلى تقديم الكثير من التضحيات، لأنّنا كنّا ندرك أنّ أمام كريستوفر فرصة واحدة فقط، بسبب محدودية التمويل المتاح لمشاركاته".
وقال فغالي إن "عندما اتّخذت أنا وكريستوفر قرار التوقّف عن سباقات "الكارتينغ" والانتقال إلى خوض تجارب سيارات الـSingle Seater العام 2024، كثير من الخبراء نصحونا بالاستمرار في الكارتينغ".
وأوضح أن "على الرغم من ذلك، كنت مقتنعاً بأن كريستوفر قد تعلّم كل ما يحتاج إليه في هذه الفئة، وحقّق فيها ما يجب أن يحقّقه. وحينها، طرحت على نفسي سؤالاً واضحاً: لماذا نستمر بالاستثمار في "الكارتينغ"، بدلاً من الانتقال إلى الفورمولا 4؟".
وتابع: "منذ اللحظة الأولى التي قاد فيها كريستوفر سيارة فورمولا 4 على حلبة فالنسيا (Valencia) بإسبانيا، في أيّار 2024، تغيّر كل شيء".
وتحدّث فغالي عن مسار نجله، فقال: "الوصول إلى القمّة يمرّ عبر مراحل عدّة، وقد بدأنا هذه الرحلة العام الماضي من خلال الفورمولا 4. والخطوة الأكثر منطقية بعد ذلك كانت الانتقال إلى بطولة الـEurocup 3، أي الفئة الأوروبية من الفورمولا 3".
وانتقل فغالي إلى الحديث عن المنافسة في الفورمولا 3، قائلاً: "اليوم، يُعدّ كريستوفر أصغر سائق في هذه البطولة، وهو مبتدئ بها. بينما يتراوح عمر منافسيه بين 18 و21 عاماً، ومعظمهم يمتلك خبرة سابقة في سباقات الفورمولا 3".
وكشف عن أن "هدفنا مع الفريق هو إنهاء الموسم ضمن المراكز العشرة الأولى في الترتيب العام. كما نسعى لأن يكون كريستوفر ضمن المراكز الثلاثة الأولى بين السائقين المبتدئين".
كما شدّد على "أنّنا نأمل تحقيق هذه الأهداف، والعودة في العام المقبل للمشاركة مجدداً بخبرة أكبر. وطموحنا أن ننافس على لقب الفورمولا 3، تمهيداً للانتقال إلى الفورمولا 2، ومن ثمّ، إذا سمحت الإمكانيات والفرص، الوصول إلى الحلم الأكبر: الفورمولا 1".
وتطرّق فغالي إلى مسألة التمويل من أجل استمرار كريستوفر، فأكّد أن "الميزانيات المتاحة للرعاة محدودة، نظراً لصغر السوق اللبناني وضيق نطاق التسويق فيه. وعلى الرغم من هذه التحديات، نحظى اليوم بتغطية إعلامية قوية، لا سيّما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً بعد فوز كريستوفر على حلبة Paul Ricard".
وقال "إنني لا أذكر أنّ الرياضة الميكانيكية في لبنان شهدت يوماً ضجّة إعلامية بحجم ما يحظى به كريستوفر حالياً، لافتاً إلى أن "هذه التغطية تفوق بكثير ما حظيتُ به أنا أو روجيه، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي خلال مسيرتنا".
وتمنّى فغالي أن "تُترجم هذه الضجّة الإعلامية إلى فرص تمويل إضافية، واستقطاب رعاة جدد من شركات لبنانية أو عربية، أو من رجال أعمال لبنانيين في الداخل والخارج"، موضحاً أن "هذا الدعم لا يقتصر على المساندة فقط، بل يشكّل أيضاً منصة دعائية للشركات اللبنانية من خلال ظهورها على سيارة كريستوفر في البطولات الخارجية".
ولكن كشف فغالي عن تحدّ آخر متعلّق بمسألة التمويل، والذي بالنسبة له يعود إلى "كون كريستوفر سائقاً لبنانياً وعربياً"، مؤكداً أن "كريستوفر اليوم لا يشارك في الفورمولا 3 بدافع الشغف فقط، بل نتيجة رؤية واضحة لمستقبله في عالم السباقات".
أضاف: "أقدّم له دعمي الكامل، خصوصاً أنّ إنجازاته تخطّت حتى الأحلام التي رسمناها في البداية". كريستوفر هو بطل لبنان في "الكارتينغ" 8 مرّات، وبطل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 3 مرّات. كما تُوّج بطلاً لأوروبا في "الكارتينغ"، وبطلاً للعالم، وهو إنجاز غير مسبوق على الصعيدَين اللبناني والعربي.
وهنا أكّد أن "وصوله إلى منصّة التتويج في بطولة Euro Cup 3 ورفع علم لبنان هناك، شكّل لحظة فخر كبيرة لنا".

أضاف: "أهمّ ما أريده اليوم هو أن يستمتع بهذا الطريق، وأن يكون لديه الشغف الحقيقي ليصبح سائقاً في الفورمولا 1. ندرك تماماً أنّ هذا الهدف صعب، خصوصاً أنّ عدد السائقين في الفورمولا 1 لا يتجاوز 22 سائقاً فقط"، مشيراً إلى أن "هذا يعني أنّ الوصول يتطلّب موهبة استثنائية، إلى جانب إمكانيات مادّية كبيرة، لكنّنا سنبذل كل ما بوسعنا لتحقيقه".
كما لفت فغالي إلى أن "في حال لم نصل إلى الفورمولا 1، يبقى الهدف أن يصبح كريستوفر سائقاً محترفاً في أبرز البطولات العالمية، مثل سباقات 24 Hours of Le Mans، فئة Hypercars، GT Cars، DTM، Formula E، Nascar أو IndyCar Series. كما يمكن أن يكون سائق تجارب لأي شركة سيارات عالمية".
وفي ختام حديثه، تحدّث فغالي عن الرسالة التي يرسلها كريستوفر للشباب اللبناني، وقال: "بعد إنجازه الأخير، حرص كريستوفر في كل إطلالاته الإعلامية على توجيه رسالة واضحة إلى الشباب اللبناني. مضمون هذه الرسالة هو عدم فقدان الأمل، مهما اشتدّت صعوبة الظروف في البلد".
وختم بالقول: "كريستوفر أكّد أيضاً أنّ النجاح يتطلّب تضحيات حقيقية، وهو خير مثال على ذلك. فقد اضطر إلى مغادرة عائلته وبلده، ليكون قريباً من فريقه ويضع نفسه في البيئة المناسبة للتطوّر. كل ذلك من أجل السعي بثبات نحو تحقيق حلمه الكبير".
إنجاز كريستوفر لا يختصره فوزٌ واحد، بل يُلخّص رحلة من التحدّي، والتعلّم الذاتي، والتضحيات التي بدأت من الصفر، في بيئة تفتقر إلى البنية التحتية والدعم، وتُراهن فقط على الإصرار والإيمان بالموهبة.
كريستوفر لا يقود فقط نحو خط النهاية، بل نحو كسر الحواجز وفتح الطريق أمام جيلٍ كامل في لبنان.