في المشهد السياسي اللبناني المأزوم، حيث تغلب الحسابات الفئوية على المصلحة الوطنية، يبرز النائب فؤاد مخزومي كحالة استثنائية. فهو ليس مجرد ممثل لبيروت، بل مرجعية سيادية تمتلك "بوصلة" وطنية ثابتة لا تحيد أمام الضغوط.
إن أكثر ما يميز مسيرة مخزومي هو قدرته على اتخاذ الموقف الصعب في الوقت المناسب. فبينما يلوذ الكثيرون بـ"المنطقة الرمادية" تفادياً للصدام، يختار مخزومي الوضوح، مؤكداً أن السيادة ليست شعاراً، بل ممارسة يومية. ويتجلى ذلك في جرأته بطرح الملفات الشائكة، كالعريضة النيابية التي تطالب بمحاسبة إيران عن تدخلاتها في لبنان، وهي خطوة تعكس شجاعة سياسية يفتقدها الكثيرون.
إلى جانب صلابته في المبدأ، يمتلك مخزومي سمة نادرة في السياسة اللبنانية وهي "إعطاء الدور للغير". ففي ظل الانقسامات الحادة، يعمل بجهد ليكون "جسر تواصل" بين الكتل والشخصيات السيادية. هو لا يسعى للاستئثار بالأضواء، بل يفتح دارته لتكون مساحة حوار وطني جامع، حيث يحرص في لقاءاته الديبلوماسية على إشراك ممثلي الكتل النيابية، مؤمناً بأن العمل الجماعي هو السبيل الوحيد لاستعادة الدولة.
هذا النهج لا يعكس ضعفاً، بل ثقة عالية بالنفس وإدراكاً بأن التغيير لا يصنعه فرد، مهما بلغت قوته. فمخزومي يدرك أن قوة الموقف تكمن في تعدديته، لذا يفسح المجال لشركائه ليشاركوه صياغة القرار، مما يجعل من دارته مركزاً حقيقياً للقرار الوطني، لا مجرد صالون لاستعراض القوة.
تمتد هذه الديناميكية إلى جولاته الخارجية، حيث يتحرك كدبلوماسي وطني ينسق مع القوى السيادية، ساعياً لإعادة ربط لبنان بمحيطه العربي والدولي، ومواجهة سياسات العزلة. إن نشاطه المكثف يعكس رؤية استراتيجية تهدف إلى إبقاء لبنان حاضراً في المحافل الدولية بفضل إرادة أبنائه المخلصين.
يقدم مخزومي اليوم نموذجاً للسياسي الذي يجمع بين "الصلابة في المبدأ" و"المرونة في الأداء". هو رجل لا يخشى التهديدات لقناعته الراسخة، ولا يغرق في "الأنا" لإيمانه بأن الوطن أكبر من الجميع. إن مبادراته الوطنية، وفتحه لدارته لتكون ملتقى للكتل السيادية، يضعان المداميك الأساسية لمشروع وطني جامع.
وفي ظل التحديات الوجودية التي يواجهها لبنان، تبرز الحاجة الماسة لمثل هذا النموذج؛ السياسي الذي يبني الجسور بدلاً من الجدران، ويقدم المصلحة الوطنية على أي اعتبار شخصي، ليبقى لبنان وطناً سيداً، حراً، ومستقلاً. إن مسيرة مخزومي تؤكد أن استعادة الدولة تبدأ من الإيمان بالعمل الجماعي، والالتزام بالثوابت الوطنية، والجرأة في مواجهة الحقائق مهما كانت قاسية. هذا هو المسار الذي يحتاجه لبنان اليوم للخروج من أزماته، وهو المسار الذي يجسده مخزومي بوضوح وثبات، مما يجعله رقماً صعباً في المعادلة الوطنية، وشريكاً أساسياً في أي مشروع يهدف إلى بناء دولة المؤسسات والقانون التي يطمح إليها كل اللبنانيين.