لا تُصاغ المواقف الدولية المفصلية بشكل مفاجئ، بل تأتي نتيجة مسار تراكمي من الاتصالات والضغوط والعمل السياسي المنظّم. في هذا الإطار، يكتسب البيان الأخير للاتحاد الأوروبي بشأن لبنان، والذي حمّل حزب الله مسؤولية تداعيات الحرب ودعا إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، دلالة تتجاوز مضمونه، وتفتح الباب أمام التساؤل حول الخلفيات التي مهّدت له.
في الأسابيع الأخيرة، برزت تحركات رئيس حزب الكتائب اللبنانية، سامي الجميّل، على الساحة الأوروبية، حيث قام بجولة شملت بروكسل وعددًا من العواصم المؤثرة. هذه الزيارة لم تكن بروتوكولية، بل جاءت ضمن رؤية سياسية واضحة هدفت إلى إعادة إدراج الملف اللبناني ضمن أولويات النقاش الأوروبي.
خلال لقاءاته مع مسؤولين في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى نواب وشخصيات سياسية، طرح الجميّل مجموعة من العناوين الأساسية، أبرزها: ضرورة دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، تعزيز قدرات الجيش اللبناني، قرارات الدولية ذات الصلة، وتأكيد حصرية السلاح بيد الدولة.
كما ركّز على أن الأزمة في لبنان لم تعد محصورة في إطارها الداخلي، بل باتت ذات امتدادات إقليمية ودولية، في ظل تصاعد دور قوى تعمل خارج سلطة الدولة، وما يرافق ذلك من انعكاسات على الاستقرار.
البيان الأوروبي الأخير عكس بشكل واضح تقاطعًا مع هذه الطروحات، إذ شدّد على دعم الدولة ومؤسساتها، حصر السلاح بيد الشرعية، تنفيذ القرارات الدولية، وربط الاستقرار بسيادة الدولة.
ورغم أن القرارات الأوروبية لا تصدر نتيجة مبادرات فردية، بل هي محصلة توازنات معقّدة، إلا أن تزامن هذه المواقف مع التحرك الذي قاده الجميّل يشير إلى مساهمة هذا الحراك في إعادة تسليط الضوء على لبنان داخل دوائر القرار الأوروبي.
اللافت في هذا التطور هو أن لبنان عاد إلى النقاش الأوروبي من زاوية مختلفة، تتعلق بالسيادة وبناء الدولة، بدل الاكتفاء بمقاربة تركز على إدارة الأزمات. هذا التحوّل، وإن كان لا يزال في بداياته، يعكس أثر الجهود السياسية التي تسعى إلى تدويل الاهتمام بالقضية اللبنانية.
في الخلاصة، لا يمكن اختزال الموقف الأوروبي بجهة واحدة، لكن من الواضح أن التحرك السياسي الأخير ساهم في تهيئة المناخ الذي أفضى إلى هذا البيان، وأعاد لبنان إلى واجهة الاهتمام الأوروبي من منظور أكثر عمقًا وشمولية.