"لبنان لن يكون مقاطعة إيرانية".. الوقاحة السياسية في ميزان قاسم

WhatsApp Image 2026-05-25 at 2.46.34 PM

لم يعد يُجدي استخدام العبارات المنمقة لتوصيف الكارثة؛ فالخطاب الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم لم يكن مجرد وجهة نظر سياسية، بل كان بيان انقلاب صريح، وإعلان وصاية فجّ فوق جثة الدولة اللبنانية.

في الوقت الذي يئن فيه اللبنانيون تحت وطأة الدماء والدمار، وبدل أن يكون "عيد التحرير" لجميع اللبنانيين، حوّله قاسم إلى منصة للاستعلاء، وبث الفتنة، وتكريس منطق "الدويلة" التي تبتلع ما تبقى من شرعية وسيادة، لتؤكد لمرة جديدة أن هذا المشروع لا يرى في لبنان سوى ساحة مستباحة، وصندوق بريد، ورهينة رخيصة لمصالح المحاور الإقليمية.

جريمة اغتيال السيادة: السلاح أو الفتنة

عندما يخرج قاسم ليطيح علناً بمبدأ "حصرية السلاح"، فهو لا يخالف الدستور فحسب، بل يصوب رصاصة رحمة مباشرة إلى قلب فكرة الدولة. لا توجد مساحة رمادية هنا: فإما دولة تحتكر القوة، وإما غابة تحكمها الميليشيات. والأوقح من ذلك، هو تصوير المطالبة ببسط سلطة الجيش اللبناني ونزع السلاح غير الشرعي على أنها "مؤامرة إبادة"؛ وهي بروباغندا ترهيبية رخيصة وتخوين مقزز يهدف إلى كمّ أفواه الأغلبية الساحقة من اللبنانيين، وتحويل أي نقاش سياسي إلى تهديد مبطن بالحرب الأهلية.

وقاحة الاتهام: مَن الذي دمّر لبنان؟

مِن قِمم السريالية والوقاحة السياسية أن يتطاول قاسم على الحكومة اللبنانية ويتهمها بالعجز والارتهان للخارج، في محاولة بائسة لغسل يديه من دماء الانهيار. وهنا نسأل بلسان كل لبناني شُرّد وجُوّع:

مَن الذي صادق وصادر قرار الحرب والسلم وجرّ البلد إلى مغامرات انتحارية دفعنا ثمنها دماً ودماراً؟

مَن الذي عطّل الرئاسة والمؤسسات لسنوات، وحمى منظومة الفساد، وكسر عزلة لبنان العربية والدولية ليحوله إلى جزيرة معزولة مطرودة من حضنها العربي؟

المرتهن الحقيقي هو مَن يتلقى أوامره، وموازناته، وإيديولوجيته العابرة للحدود من وراء البحار، ويُضحي بشعب بأكمله لأجل أجندة طهران.

اقتصاد "الحقائب السوداء" والعقم الديبلوماسي

إن رفض المفاوضات الدبلوماسية المباشرة يعكس عقماً فكرياً مزمناً ونهجاً يعتاش على الحروب الدائمة؛ هؤلاء الذين يحرمون الدولة اليوم من ممارسة حقها الدبلوماسي لحماية شعبها، هم أنفسهم من انبطحوا ووقعوا صاغرين على اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية عندما جاء الأمر العملياتي من الخارج.

أما المفاخرة بنقل الأموال "نقداً بالحقائب" (Cash)، فهي ليست إنجازاً، بل إدانة جرمية موثقة تكرس منطق العصابات والاقتصاد الأسود المشبوه. هذا الإصرار على العمل خارج النظام الرقابي والمالي الشرعي يضرب ما تبقى من سمعة مالية للبنان، ويثبت أن هذا الحزب لا يمكنه العيش إلا في عتمة الممارسات غير القانونية.

المعادلة الأخيرة: الرهينة لن تبقى صامتة

لقد انتهى زمن المواربة والمساومات التي أودت بلبنان إلى قعر الهاوية.

الخيارات اليوم واضحة ونهائية: إما دولة فعلية، بسيادة كاملة، وجيش واحد، وقانون واحد يطبق على الجميع... وإما الاستسلام التام لـ"سلطة الأمر الواقع" وميليشيا السلاح الموازي التي لم تجلب للبلد سوى الموت، الفقر، والخراب.

أي خطاب يرفض الالتزام المطلق بالدولة ومؤسساتها هو خطاب معادٍ للبنانيين، وشريك مباشر في استمرار الجريمة بحق هذا الوطن.

لقد انتهى زمن التقية السياسية والمساومات العقيمة التي أودت بلبنان إلى قعر الهاوية، وسقطت مع هذا الخطاب آخر أقنعة "المقاومة" لتتكشف عن مشروع هيمنة وتدمير ذاتي.

إن اللبنانيين اليوم لم يعودوا يملكون ترف الخيارات الرمادية؛ والمعادلة باتت واضحة كالشمس: إما دولة فعلية، ناجزة السيادة، يمسك جيشها وحده بزمام الأمن وقرار الحرب والسلم... وإما الاستسلام التام لـمشيئة "الدويلة" وسلاحها الموازي الذي لم يجرّ على البلاد سوى الويلات، والفقر، والدمار، والعزلة.

ليسمعها نعيم قاسم ومَن وراءه: لبنان لن يكون مقاطعة إيرانية، والشعب اللبناني لن يبقى رهينة أبدية لرهاناتكم الانتحارية. أي خطاب يرفض الانصياع للدستور ومنطق الدولة هو خطاب معادٍ للوطن، والتاريخ لن يرحم مَن يصر على إحراق لبنان ليبقى هو على قيد الوجود.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: