بين تداعيات الحرب، والأزمة المصرفية، واستمرار الضبابية السياسية، يمرّ القطاع العقاري في لبنان بواحدة من أصعب مراحله منذ سنوات.
ورغم تراجع حركة البيع والشراء وانخفاض الاستثمارات الأجنبية، لا يزال بعض المستثمرين ينظرون إلى العقار باعتباره ملاذًا آمنًا لحفظ القيمة، في ظل ترقّب عودة الاستقرار والإصلاحات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، قدّم نقيب المطورين العقاريين وليد موسى، في مقابلة مع LebTalks، قراءة شاملة لواقع السوق العقارية بالأرقام، مسلطًا الضوء على المناطق الأكثر طلبًا، واتجاهات الأسعار، وتأثير الحرب على حركة الاستثمار، ورؤيته لمستقبل القطاع.
وأكد موسى أن القطاع العقاري سجّل خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 نحو 18,631 معاملة عقارية، بلغت قيمتها الإجمالية 1.9588 مليار دولار أميركي.
أما خلال شهر أيار 2026، فانخفض عدد المعاملات بنسبة 43.5% مقارنةً بأيار 2025، في حين ارتفع بنسبة 4.64% مقارنةً بنيسان 2026، في إشارة إلى تحسّن النشاط العقاري على أساس شهري.
وأوضح أن قضاء المتن تصدّر المرتبة الأولى من حيث القيمة الإجمالية للمعاملات، تلاه قضاء بعبدا ثم قضاء كسروان، فيما سجّل الشمال العدد الأكبر من المعاملات، يليه بعبدا ثم المتن.
وأرجع موسى هذا التراجع إلى الضبابية السياسية والأمنية التي سبقت اندلاع الحرب، موضحًا أنه بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل الحكومة عام 2025، سادت أجواء من التفاؤل انعكست إيجابًا على السوق، إلا أن تصاعد احتمالات الحرب مع بداية عام 2026، قبل أن تتحول إلى واقع، أعاد القطاع إلى حالة من عدم اليقين.
وتوقّع أن تستمر تداعيات الحرب على القطاع خلال الأشهر المقبلة، وربما تتفاقم، لافتًا إلى أن جزءًا كبيرًا من المناطق الجنوبية خرج من الدورة العقارية نتيجة الظروف الأمنية، سواء بسبب الاحتلال أو تعذّر الوصول إلى الدوائر العقارية.
وأشار إلى أن أقضية مثل بنت جبيل والنبطية شهدت شللًا شبه كامل، فيما نُقل السجل العقاري في صور إلى صيدا، الأمر الذي انعكس سلبًا على إنجاز المعاملات.
أضاف أن التراجع لا يرتبط فقط بتوقف النشاط في بعض المناطق، بل أيضًا بانخفاض شهية المستثمرين والمواطنين للشراء في ظل غياب رؤية واضحة للمستقبل السياسي والأمني والاقتصادي.
وفي ما يتعلق بالمشتري اللبناني، رأى موسى أن الأزمة المصرفية لا تزال العائق الأكبر أمام تملك المواطنين، إذ لا تزال أموال شريحة واسعة منهم محتجزة في المصارف، ما يحول دون تأمين الدفعة الأولى لشراء منزل.
وأكد أن انتعاش السوق العقارية يبقى مرتبطًا بإصلاح القطاع المصرفي، لأن المطورين يحتاجون إلى تمويل مشاريعهم، كما يحتاج المواطنون إلى قروض سكنية فعّالة، لافتًا إلى أن القروض التي يقدمها مصرف الإسكان، رغم أهميتها، تبقى محدودة ولا تلبي احتياجات شراء الشقق في المدن الكبرى.
وفي المقابل، أوضح أن بعض المستثمرين لا يزالون يعتبرون العقار ملاذًا آمنًا لحفظ القيمة، خصوصًا في ظل التضخم وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي، ما يدفعهم إلى توظيف أموالهم في العقارات بدلًا من إبقائها في المصارف.
وأشار أيضًا إلى أن اللبنانيين المنتشرين في الخارج لا يزالوا يشكلون ركيزة أساسية للسوق العقارية، إلا أن استمرار عدم الاستقرار السياسي والأمني يحول دون عودة الزخم الكامل للاستثمارات.
واعتبر أن قرار دولة الإمارات العربية المتحدة رفع حظر سفر مواطنيها إلى لبنان يشكل مؤشرًا إيجابيًا قد ينعكس على حركة السوق، بعدما كانت قد شهدت تحسنًا محدودًا مع عودة الطلب الخليجي، قبل أن تتوقف مجددًا بفعل الحرب الإيرانية - الإسرائيلية.
وأوضح موسى أن الخريطة العقارية في لبنان شهدت تغيرًا في حجم الطلب تبعًا للقدرة الشرائية وطبيعة التمويل، مشيرًا إلى أن المناطق الأكثر طلبًا هي تلك التي تستهدف المشترين القادرين على الدفع نقدًا أو الأقل اعتمادًا على القروض السكنية.
وقال إن الفئة الأولى (Category A) تضم مناطق مثل وسط بيروت، الأشرفية، الرملة البيضاء، حرش تابت، فقرا، فاريا، بحر عمشيت، البترون، أدما والرابية، حيث لا يزال الطلب مرتفعًا رغم الظروف الاقتصادية.
أضاف أن الفئة الثانية (Category B) تشمل عددًا من مناطق جبل لبنان، ولا سيما بعبدا، المتن وجبيل، والتي تشهد حركة عمرانية جديدة ومشاريع قيد الإنشاء تُسوّق بنظام التقسيط على ثلاث أو أربع سنوات، ما يحافظ على مستوى جيد من الطلب.
أما الفئة الثالثة (Category C) فتضم بقية المناطق التي تشهد حركة أضعف مقارنة بالفئتين السابقتين.
ورأى موسى أن الوقت الحالي لا يزال مناسبًا للاستثمار العقاري، معتبرًا أن الشراء اليوم قد يكون أفضل من الانتظار، لأن أي تحسن في الأوضاع السياسية والاقتصادية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وعودة الاستثمارات الخليجية والمغتربين، سيؤدي إلى ارتفاع الطلب، وبالتالي زيادة أسعار العقارات، مشيرًا إلى أن الأسعار سجّلت بالفعل ارتفاعًا ملحوظًا خلال الفترة الماضية.
وفي ما يتعلق بسوق الإيجارات، أوضح أن الحرب رفعت الطلب على الشقق السكنية في عدد من المناطق نتيجة نزوح سكان الجنوب والضاحية إلى مناطق أكثر أمانًا، ما انعكس على حركة الإيجارات.
أما بالنسبة إلى سوق الشراء، فأشار إلى وجود طلب ملحوظ من شريحة من أبناء الطائفة الشيعية، مدعوم بتحويلات مالية من الخارج، ولا سيما من أفريقيا، إضافة إلى توجه بعض المستثمرين إلى تحويل السيولة النقدية إلى استثمارات عقارية باعتبارها وسيلة لحفظ القيمة في مواجهة التضخم.
ولفت إلى أن الرقابة على الأموال المستخدمة في شراء العقارات أصبحت أكثر تشددًا، بعد الإجراءات التي اتخذتها وزارة العدل، إلى جانب تشديد المصارف على التحقق من مصادر الأموال النقدية.
وأكد أن المناطق التي تشهد مشاريع جديدة لا تزال تستقطب الطلب، خصوصًا أن عدد المشاريع المطروحة في السوق يبقى محدودًا، ما يسمح بتسويقها وبيعها تدريجيًا، رغم غياب التمويل المصرفي الواسع.
في المقابل، أشار إلى أن المناطق المتضررة من الحرب سجّلت انخفاضًا في أسعار العقارات نتيجة الدمار الكبير الذي لحق بها، موضحًا أن الأسعار تختلف بين ظروف الحرب والهدنة والسلام، لكنه اعتبر أن هذه المناطق تمتلك مستقبلًا واعدًا متى استقرت الأوضاع الأمنية والسياسية.
وختم موسى بالإشارة إلى تنامي الحساسية لدى بعض المالكين في ما يتعلق ببيع العقارات بين الطوائف مقارنة بالفترات السابقة، لكنه شدد على أنه لا يمكن تعميم هذه الظاهرة، معتبرًا أن السوق يبقى في نهاية المطاف محكومًا بعوامل العرض والطلب والقدرة الشرائية.

ومن جهته، أشار رئيس شركة Confidence Real Estate، جاد بيطار، لموقعنا إلى أن السوق العقارية بدأت تشهد حركة ملحوظة بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل، ولا سيما مع حلول فصل الصيف، بالتزامن مع عودة عدد من اللبنانيين إلى البلاد ووقوع تطورات سياسية أسهمت في تنشيط السوق.
وأوضح أن التعافي لم يكن متساويًا بين مختلف المناطق، إذ إن المناطق التي تعرضت للقصف والأضرار المباشرة لا تزال تعاني من تبعات الحرب ولم تستعد نشاطها الطبيعي بعد، في حين شهدت مناطق أخرى، مثل فقرا والبترون، تحسنًا ملحوظًا، لا سيما المناطق البعيدة عن التوترات الأمنية.
أضاف أن تراجع القدرة الشرائية يتركز بشكل أساسي في سوق الشقق الصغيرة، إلا أن الأمر يختلف باختلاف المنطقة.
وأشار إلى أن مناطق مثل جبيل، حالات، عمشيت، البترون، وطرابلس لم تتأثر بشكل كبير، بل لا تزال تشهد عمليات بيع وشراء، وإن بوتيرة أقل من السابق، مؤكدًا أن هناك شريحة من اللبنانيين لا تزال تتمتع بقدرة شرائية جيدة، ما يحافظ على استقرار الأسعار ويحول من دون تسجيل أي انخفاضات ملحوظة.
ولفت إلى أن المناطق الأكثر تأثرًا بالحرب هي تلك الواقعة جنوب صيدا، بينما شهدت المناطق الممتدة بين صيدا وبيروت حركة عقارية لافتة، نتيجة انتقال عدد كبير من سكان الجنوب إليها بحثًا عن مناطق أكثر استقرارًا.
واعتبر بيطار أن السوق العقارية اللبنانية تشهد اليوم مرحلة من الاستقرار تتجه تدريجيًا نحو التحسن، مؤكدًا أن الوقت الحالي مناسب للاستثمار العقاري، لأن الأسعار لا تزال عند مستويات متدنية مقارنة بما قد تشهده في حال تحسنت الأوضاع السياسية والاقتصادية.
وختم: "في عالم الاستثمار، القاعدة الأساسية هي الشراء عندما تكون الأسعار منخفضة والبيع عندما ترتفع. اليوم، أرى أن العقار في لبنان لا يزال عند أدنى مستوياته، فيما تتجه شريحة من المستثمرين إلى شراء عقارات في دول بلغت فيها الأسعار مستويات قياسية. لذلك، أعتبر أن الاستثمار في لبنان اليوم يشكل فرصة حقيقية، وهذا ما أطبقه شخصيًا في استثماراتي".
