في مدينة اعتادت أن تقرأ السياسة من نوافذ الأبنية قبل أن تقرأها في البيانات، يعود الحديث مجدداً إلى سوق العقارات في بيروت، حديث يتجاوز أسعار الشقق وأرقام المبايعات ليصل إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بصورة العاصمة وهويتها الاجتماعية في السنوات المقبلة.
خلال جولة واسعة لموقع LebTalks شملت مكاتب عقارية وفاعليات محلية ومخاتير في عدد من أحياء بيروت، برزت روايات متشابهة تتحدث عن حركة بيع وشراء ناشطة نسبياً في مناطق من بيروت الكبرى، ولا سيما في الأشرفية والرميل والصيفي وأحياء مجاورة، حيث تشير مصادر عقارية إلى أن جزءاً من العمليات يتم بين مالكين من جهة ومشترين ينتمون إلى الطائفة الشيعية من جهة أخرى، بعضهم آتٍ من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، فيما يقيم آخرون في بلدان الاغتراب الأفريقي.
وتقول هذه المكاتب إن الحرب الأخيرة وما رافقها من نزوح وضربات أمنية تركت أثراً واضحاً على خيارات عدد من العائلات، إذ فضل بعض المالكين الانتقال إلى مناطق يعتبرونها أكثر استقراراً، فيما رأى آخرون أن تكرار المواجهات العسكرية وما يرتبط بها من توترات أمنية دفعهم إلى البحث عن بيئة سكنية مختلفة، الأمر الذي انعكس حركة إضافية داخل السوق العقارية.
في المقابل، تشير مصادر متابعة للملف العقاري إلى أن جزءاً من النقاش المتداول داخل أوساط اقتصادية وأمنية لا يقتصر على هوية المشترين فقط، بل يتصل أيضاً بطبيعة الرساميل المتداولة في سوق يعاني انهياراً نقدياً حاداً، إذ تُطرح أسئلة حول مصادر بعض السيولة النقدية القادرة على تنفيذ صفقات كبيرة بالدولار النقدي في وقت انهارت فيه القدرة المصرفية التقليدية في لبنان.
وتلفت هذه المصادر إلى أن تقارير دولية وأمنية سابقة تناولت على مدى سنوات شبكات مالية وتجارية عابرة للحدود في المنطقة، وأشارت إلى شبهات مرتبطة بعمليات تبييض أموال وتهريب وتجارة غير مشروعة في بعض الحالات ، من دون أن تكون هناك استنتاجات قضائية لبنانية حاسمة وعلنية تربط هذه المعطيات بسوق محدد داخل العاصمة.
وفي المقابل، تشير مصادر عقارية أخرى إلى أن جزءاً من المشترين القادمين من الاغتراب يمتلكون قدرات مالية مرتفعة مقارنة بالواقع اللبناني الحالي، ما يمنحهم هامشاً أوسع للدخول إلى سوق العقارات في العاصمة خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية التي أضعفت القدرة الشرائية لدى شرائح واسعة من اللبنانيين.
صاحب أحد المكاتب العقارية يؤكد أن الملف لا يخلو من حساسيات اجتماعية، موضحاً أن بعض المالكين يرفضون البيع لأشخاص من طوائف معينة فيما يلجأ بعض الراغبين بالشراء إلى وسطاء أو أسماء أخرى لإتمام الصفقات بعيداً من أي اعتراضات محتملة، وهي ظاهرة يتحدث عنها عدد من العاملين في القطاع من دون وجود أرقام رسمية توثق حجمها الفعلي.
وفي الصيفي، يقول أحد المخاتير الذين تم التواصل معهم إن حركة الشراء ليست جديدة بالكامل، موضحاً أنها بدأت قبل الحرب الأخيرة، لكنه يرفض في الوقت نفسه الحديث عن تبدل ديموغرافي واسع في المرحلة الحالية، معتبراً أن الصورة لا تزال دون مستوى الخطر الفعلي، إلا أن استمرار المسار نفسه لسنوات طويلة قد يفرض واقعاً مختلفاً يحتاج إلى متابعة دقيقة.
يضيف أن المخاوف المطروحة لا ترتبط بصفقة هنا أو عملية بيع هناك، وإنما بتراكم عمليات متفرقة مع مرور الوقت داخل أحياء تتمتع بخصوصية تاريخية واجتماعية معروفة ، لافتاً إلى أن الأزمة الاقتصادية دفعت كثيرين إلى بيع ممتلكاتهم تحت ضغط الحاجة المالية، في وقت يملك فيه عدد محدود من المستثمرين سيولة نقدية تسمح لهم بالشراء.
وتعيد هذه الشهادات إلى الواجهة ما حصل بعد انفجار مرفأ بيروت العام 2020، حين تحدثت تقارير إعلامية محلية ودولية عن محاولات شراء عقارات متضررة في الأحياء المحيطة بالمرفأ مستفيدة من الظروف الصعبة التي عاشها السكان آنذاك.
أما على مستوى الأرقام الرسمية، فلا تتوافر حتى الآن قاعدة بيانات علنية تفصل عمليات البيع والشراء العقارية وفق الانتماء الطائفي للمشترين أو البائعين، الذي يجعل غالبية النقاش الدائر قائماً على شهادات ميدانية ورصد عقاري أكثر منه على إحصاءات موثقة.
وخلال الاتصالات التي قام بها موقعنا مع عدد من فاعليات العاصمة وبعض النواب، أفادت غالبية الجهات التي تم التواصل معها بأنها لا تملك معطيات دقيقة حول حجم الظاهرة أو نسبها الفعلية.
في المقابل، أبدى النائب إبراهيم منيمنة اهتماماً بمتابعة الملف، مؤكداً ضرورة الاطلاع على الوقائع والأرقام قبل إطلاق أي استنتاجات، ومبدياً استعداده للتحقق من المعطيات التي يجري تداولها ومناقشتها مع الجهات المعنية من أجل تكوين صورة دقيقة تستند إلى معلومات موثقة لا إلى الانطباعات المتداولة فقط.
ويبقى المؤكد أن بيروت تقف اليوم أمام تحولات عقارية واجتماعية متسارعة فرضتها الأزمات المالية والحروب والهجرة والنزوح، فيما يبقى الجدل مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه التحولات تعكس حركة سوق طبيعية فرضتها الظروف الاقتصادية، أم أنها تشكل بداية تغييرات أعمق في الخريطة السكانية للعاصمة، وهو سؤال لا يمكن الإجابة عنه بصورة علمية إلا عبر بيانات رسمية ودراسات ميدانية شاملة تتجاوز الانطباعات الفردية والتقديرات غير الموثقة.