العراق.. ساحة الصدام الخلفية بين المشروعين الأميركي والإيراني

iraq

كتب جورج ابو صعب:

يواجه العراق سلسلة من التحديات الأمنية والسياسية على خلفية التطورات الإقليمية المستجدة، والتغييرات الحكومية الحديثة العهد، وما تفرضه من انعكاسات على موازين القوى الداخلية، إضافة إلى تأثيرات الخارج والمحيط الإقليمي بحساباته وأساليب مواجهته المختلفة.

ومن هنا، فإن أبرز تحدٍّ يواجه العراق وحكومته الجديدة يتمثل في أزمة السلاح المتفلّت.

فثمة ضغوط أميركية وإقليمية متزايدة، يأتي في سياقها حضور ديفيد بترايوس كمستشار خاص لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بهدف الدفع نحو آليات نزع السلاح، في وقت أبدت فيه بعض الفصائل مرونة تجاه فكرة التسليم التدريجي، فيما رفضت فصائل أخرى، كحركة النجباء وكتائب حزب الله، تسليم السلاح بشكل واضح.

أما إيران، فقد وصفت مسألة نزع السلاح بأنها "خط أحمر" عبر قائد فيلق القدس إسماعيل قآاني، ولا سيما في ظل وجود مقترحات أميركية تتضمن نزع السلاح، وعزل القيادات، وتعيين ضباط محترفين، ودمج تدريجي، كشرط لاستئناف علاقات طبيعية بين واشنطن وبغداد.

وفي تقييم أمني آخر للاستخبارات الأميركية، فإن السلاح بات يضع الحكومة العراقية في موقع حرج، في ظل التباينات داخل "الإطار التنسيقي" العراقي.

وقد علمت LebTalks من مصادر ديبلوماسية مطّلعة أن النقاشات داخل الإطار التنسيقي تمحورت حول آلية التسليم التدريجي وجدول زمني واضح للتسليم، في ظل وجود إجماع أميركي وإقليمي وبريطاني على ضرورة معالجة هذا الملف.

وبحسب المعلومات، فقد أبدت بعض الفصائل مرونة في موضوع تسليم السلاح، كعصائب أهل الحق، ومنظمة بدر، وكتائب سيد الشهداء، وثأر الله، والإمام علي، باتجاه التخلي التدريجي عن السلاح، فيما بقي الرفض الواضح محصوراً بحركة النجباء وكتائب حزب الله، المدرجتين على لوائح العقوبات الأميركية.

ومن جهة أخرى، تربط فصائل عدة تسليم السلاح بالحصول على ضمانات سياسية ومناصب ومكانة داخل الحكومة.

أما الشروط الأميركية، فتتضمن نزع سلاح الفصائل، وعزل قياداتها، وتعيين ضباط محترفين للإشراف على البنية التحتية للحشد الشعبي، ثم دمج الهيئة تدريجياً، إذ لا تزال واشنطن تعتبر أن حلّ الحشد أو دمجه يشكّل شرطاً أساسياً لاستئناف علاقات طبيعية مع بغداد.

أما على المستوى القانوني والدستوري، فإن الحشد الشعبي يعمل تحت مظلة قانون أقرّه البرلمان العراقي العام 2016، ما يعني أن أي حلّ أو تعديل في وضع الحشد يتطلب تصويتاً برلمانياً.

لكن المعضلة الأساسية تبقى في البعد الإيراني والعمق العقائدي، مع طغيان الارتباط العقائدي والاستراتيجي بإيران، ما يجعل قرار الحل أو تسليم السلاح يتجاوز الحكومة العراقية نفسها.

وفي هذا السياق، صرّح قائد فيلق القدس إسماعيل قآاني بأن السلاح "ليس ملك الفصائل"، بل "ملك المقاومة وإيران"، ما يفتح الباب أمام مشهدية معقّدة من المخاطر والسيناريوهات المحتملة.

فبقاء فصائل مسلحة خارج إطار الدولة يعرّض العراق والمنطقة لخطر الضربات الخارجية، سواء عبر مخاوف استهداف السعودية والإمارات، أو من خلال احتمال توجيه ضربات أميركية مباشرة، فضلاً عن إمكانية تحوّل الخلافات إلى تصعيد داخلي، أو توحّد فصائل أكثر تشدداً للدفاع عن مكتسباتها.

كما أن إدماج الفصائل داخل الدولة قد يمنحها نفوذاً سياسياً أكبر إذا دخلت المعترك الحكومي والبرلماني، وقد يؤدي إلى إنشاء وزارات أو مناصب مستقلة خاصة بها.

وحتى على الصعيد العملاني، تبرز أسئلة مفتوحة ومشكلات تطبيقية كثيرة، مثل: أين سيكون السلاح بعد التسليم؟ وما هي آليات التخزين والحيازة واستخدامه في الظروف الاستثنائية؟ وهي أمور لم تُحدَّد بوضوح حتى الآن، فضلاً عن احتمالية إعادة استخدام السلاح في أي حرب إقليمية جديدة بين إسرائيل وإيران، أو تحت توجيه إيراني مباشر.

أما المعضلة الأخرى، فتكمن في كيفية نزع الشرعية الدينية والأيديولوجية عن الفصائل، ودمج عقائدها القتالية ضمن المؤسسة العسكرية العراقية، وهي مسألة لا تزال غير محلولة حتى الآن.

ومن هنا، يمكن القول إن الملف العراقي معقّد سياسياً وقانونياً وعقائدياً، وأي حلّ دائم له يتطلب آليات عملية واضحة، ودعماً دولياً، وتوافقاً داخلياً وبرلمانياً.

فمن دون غطاء دولي وضمانات سياسية داخلية، يبقى خطر استمرار السلاح خارج سيطرة الدولة قائماً، وبالتالي يبقى العراق "خنجراً" مسلطاً على أي مشروع أميركي إقليمي أو أي مواجهة جديدة مع النظام الإيراني، بما يجعله ساحة صراع خلفية بين مشروعين لا يلتقيان.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: