قام مدير جهاز الاستخبارات الأميركية وليام بيرنز بزيارة غير معلنة الأسبوع الماضي الى المملكة العربية السعودية حيث التقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وقد تردّد أن بيرنز نقل "صدمة" واشنطن من تحرّكات المملكة الأخيرة تجاه كل من إيران وسوريا.
المرة الأخيرة التي كان بيرنز زار فيها الرياض بشكل سرّي أيضاً كانت في شهر نيسان ٢٠٢٢، وتناولت مباحثاته يومها مع ولي العهد السعودي بن سلمان حرب أوكرانيا وإمدادات النفط وسواها من مواضيع استراتيجية مهمة.
في زيارته الأخيرة منذ فترة قصيرة، التقى بيرنز ولي العهد مجدّداً لكن هذه المرة وبحسب المعلومات تركّز البحث حول ملف واحد : الاتفاق السعودي - الإيراني برعاية صينية، فضلاً عن عزم المملكة دعوة رئيس النظام السوري بشار الأسد الى القمة العربية المقبلة في الرياض.
بيرنز ذكّر قيادة المملكة أن كلاً من إيران وسوريا هما أكثر دولتين تقع عليهما عقوبات، وبالتالي كيف ترى الرياض إمكانيةً للاتفاق معهما وإعادة علاقاتها مع الدولتين الأكثر استهدافاً؟
من الواضح أن واشنطن لا توافق على عودة سوريا الى الحاضنة العربية وترى أنه يجب على بشار الأسد أن يبقى معزولاً ومنبوذاً ومحاصراً، إلا أن للرياض حسابات أخرى، جزء منها يُبنى على أخطاء سياسة الديمقراطيين في المنطقة وبخاصة في التعامل مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج والدول العربية المهمة في المنطقة.
بيرنز اذاً، وبحسب المعطيات المتوفّرة، أبلغ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بأن البيت الأبيض شعر بصدمة من تقارب الرياض مع طهران ودمشق اللتين لا تزالان تخضعان لعقوبات شديدة من واشنطن وأوروبا.
الجانب السعودي لم يعلّق على موقف بيرنز، والإعلام السعودي لم يتناول الزيارة بأكثر من عموميات والى الآن لم تردّ الرياض.
زيارة بيرنز ومضمون محادثاته تدلنا على أمر خطير وأساسي ألا وهو أن العلاقات الأميركية- السعودية عادت الى سابق عهدها من التوترات وسوء التفاهم، واذا أقمنا خطاً بيانياً فاصلاً بين زيارة بيرنز عام ٢٠٢٢ للرياض وزيارته الأخيرة منذ أيام، نلاحظ أن العلاقات الثنائية لم تسجّل أي خرق طوال عام تقريباً سوى زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن الى المملكة والقمم الأميركية- السعودية والأميركية- الخليجية والأميركية- العربية، والتي على ما يبدو بقيت نتائجها في الإطار النظري الى الآن أقله، فيما الأوضاع تتراجع بين واشنطن والرياض مجدّداً على خلفية اتفاق أو بيان بكين ورعاية الصين لعودة العلاقات الديبلوماسية بين الرياض وطهران.
يمكن القول إن الاتفاق السعودي- الإيراني أعاد لدى الأميركيين هاجس قديم جديد الا وهو هاجس الدور الصيني الوازن في المنطقة من البوابة السعودية تحديداً، فالصين "أولوية أولويات" واشنطن راهناً أكثر من ملف أوبيك بلاس وملف حقوق الإنسان، فملف الصين هو "أم الملفات" في واشنطن التي تحذّر الرياض من التدخّل فيه والتعاون معه.
وجود بيرنز مع المسؤولين السعوديين كما مع أي مسؤولين في العالم يرتدي طابعاً خاصاً بعيداً عن الديبلوماسية والسياسة التي تدوّر الزوايا، إذ ان بيرنز،رئيس أقوى جهاز استخباراتي في أميركا والعالم، لا يقوم ب" زيارة" مجاملات بل لإيصال رسائل جدية وحازمة وغير ملتوية، الأمر الذي يحمل على الاعتقاد بأن زيارته الأخيرة للرياض لم تكن زيارة علاقات عامة بقدر ما كانت لإبلاغ موقف اعتراضي شديد المضمون حول التقارب السعودي من الصين والتعاون معها.
وللتذكير فإن وليام بيرنز كان آخر مسؤول أميركي وغربي تحدث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل غزو الأخير لأوكرانيا حيث حذّره يومها بأن روسيا ستدفع ثمناً باهظاً إن هي غزت أوكرانيا في ظل توحّد دول الناتو.
زيارة بيرنز الى المملكة الأسبوع الماضي جاءت بعد يوم واحد على لقاء وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان مع نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان في بكين.
فورين بوليسي من جهتها تناولت في إحدى مقالاتها الأخيرة مسألة شرح أسباب قيام إيران بمصالحة المملكة العربية السعودية، وذكرت أن السبب الرئيسي الذي دفع بإيران للاتفاق مع المملكة هو أن عقد السلام مع الرياض بمثابة قربان لإيران للتقرّب من الصين وروسيا، كون طهران بحاجة للتقرّب أكثر من بكين وموسكو، ومن هنا تقديمها السلام مع السعوديين "عربون محبة" للدولتين على اعتبار أن مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي والحرس الثوري الإيراني والمجلس الرئاسي في إيران يجدون في المملكة دولة مرتدّة ومتعاملة مع الأميركيين.
القيادة الإيرانية تكره الولايات المتحدة أكثر بكثير من المملكة ودول الخليج، وهي تعتبر أميركا الشيطان الأكبر، فالمصالحة مع السعودية بنظر إيران ستقود الى توحيد العالم الإسلامي والى تصالح مع كل حلفاء السعودية وإيران في المنطقة، ما يساهم في توحيد العالم الإسلامي والتخلّي النهائي عن الفكر الثوري الإيراني والاعتداءات العسكرية وكافة أنواع الاستفزازات السابقة، ما سيمكّن طهران بالمقابل من الاحتفاظ بترسانتها النووية وقدراتها السياسية خصوصاً بعد أن أخمدت الثورة الداخلية، بحيث أن الثمن لهذا التصالح مع الرياض أقل بكثير من أي ثمن كان بالإمكان أن يُطلب من إيران لو استمرت الوسائل والأساليب السابقة في إدارة السياسة الإقليمية والدولية لإيران.
طهران أيضاً ترى أن التصالح مع دول الخليج سيؤدي الى ضرب اتفاقيات أبراهام المبرمة مع إسرائيل ودول في المنطقة مثل الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، ما يقطع كلياً إمكانية استحواذ إسرائيل على العلاقات مع العرب، ومن هنا كان تعيين سفير جديد لإيران في دولة الإمارات وفتح خطوط مع البحرين والانفتاح الإيراني على دول المنطقة، فالغاية واضحة وهي قطع الطريق أمام أي تطبيع جديد وضرب التطبيع السابق منعاً للنفوذ الصهيوني في منطقة الخليج الذي يقترب جداً من تهديد الأمن القومي الإيراني .
كذلك ترى طهران أن المنطقة دخلت في حقبة جديدة تسميها "ما بعد الأميركية" نظراً لضعف الإدارة الأميركية الحالية وتراجع النفوذ مع استنزافها في حرب أوكرانيا، فواشنطن تحتفظ بمستشارين لا بمقاتلين في الشرق الأوسط مع سحبها أيضاً لسلاحها الجوي المتطور من المنطقة والإبقاء على سلاح قديم، لذا قد يكون من مصلحة إيران وفق حساباتها احتلال مركز مهم ولعب دور ريادي بارز بعد الانسحاب الأميركي من المنطقة .
توافق المصالح بين إيران وروسيا والصين مردّه أن الدول الثلاث تقاتل الولايات المتحدة، فالإيرانيون يريدون التقرب أكثر فأكثر من السعودية خصوصاً وأن البترودولاور ملكها، كما أن السعودية لن تذهب الى الصين الا عبر المصالحة مع إيران.
حصلت مؤخراً مناورات روسية- صينية- إيرانية في بحر الخليج لم تعترض عليها الرياض.
والسؤال يبقى عن غاية الرياض من كل هذه التسوية مع إيران؟
قد يكون الجواب أن الاتفاقية ستمكّن الرياض من الاستحصال على كل ما تريده من بناء اقتصاد ضخم لها وتقوية الجيش كما سياساتها الخارجية والتصدّي لتطاول الأميركيين عليها، والدليل زيارة بيرنز الأخيرة للمملكة التي تعترض وتعارض توجهات واشنطن التي لطالما اعتادت على أن تكون المملكة مطواعة بلا حساب بيد واشنطن.
الرياض تتحكّم بملف النفط والطاقة بصورة أقوى وأفعل من ذي قبل، كما أن المملكة باتت ملاذاً آمناً لكل مستثمر أوروبي أو روسي بعد سقوط احتمالات الصدام بين إيران ودول الخليج.
وكالة فيتش للتصنيف الائتماني رفعت، بعد توقيع الرياض على اتفاقها من طهران، تصنيف المملكة الى A+ مع نظرة مستقبلية مستقرة بالنظر للقوة المالية للمملكة وضبطها الدين العام مع استمرار الإصلاحات المالية والاقتصادية.
وهكذا وبالإضافة الى أجندة أميركية وصينية وروسية، باتت هناك أيضاً أجندة سعودية، والرياض باتت صاحبة القرارات السيادية في ما ينفعها أو لا ينفعها.
المملكة لا تزال بعيدة عن خسارة الأميركيين لكنها تسير على خيط رفيع بين واشنطن وبكين من أجل تحقيق أهداف أجندتها ومنها الآثار الاقتصادية على دول المنطقة المتأتية من التصالح مع إيران .
واشنطن قلقة ومتفاجئة لكن الحري بإدارتها الديمقراطية أن تسأل نفسها عن أسباب انقلاب المشهد في المنطقة من بكين هذه المرة، ولتسأل الإدارة الديمقراطية نفسها : ما هي البدائل التي قدمتها للمملكة والمنطقة كي لا تُضطر الرياض الى الذهاب الى الصين والى التصالح مع إيران؟
وليام بيرنز نقل الرسالة لكنه عاد كما جاء لأن واشنطن الى الآن لا تزال تنظر الى حلفائها في المنطقة كخدّام مطواعين لمصالحها، فيما فجر عربي خليجي جديد انبلج وليس في واشنطن من يرى الى الآن .