واشنطن تفتح صفحة جديدة: عون في مواجهة التاريخ.. وترامب مهندس نظام إقليمي جديد

107366-987672175145-35349030-72887404735545-3493770155-60806609743875-427091

ثمة زيارات دبلوماسية تندرج في إطار البروتوكول، وثمة أخرى ترسم منعطفات تاريخية.

وتندرج زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن، بلا شك، ضمن الفئة الثانية. فهي تتجاوز إطار العلاقات الثنائية بين بيروت وواشنطن، لتندرج ضمن دينامية إقليمية أوسع، يسعى من خلالها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إعادة رسم ملامح الشرق الأوسط وفق رؤية تقوم على مبدأ بسيط وطموح في آن واحد: السلام عبر الاستقرار، وسيادة الدول، ووضع حد للحروب المستمرة.

منذ عودته إلى البيت الأبيض، يتبنى ترامب رؤية خاصة به. وقد يختصر البعض هذه الرؤية في العملية العسكرية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، إلا أن هذه القراءة تبقى ناقصة.

فالعملية العسكرية، وإن شكّلت محطة مفصلية، جاءت بعد عقود من المفاوضات والوساطات والعقوبات والمحاولات الدبلوماسية التي قادتها إدارات أميركية، جمهورية وديمقراطية، بهدف احتواء البرنامج النووي الإيراني وتجنب مواجهة إقليمية واسعة. ولم يُلجأ إلى القوة إلا بعدما استُنفدت، وفق هذا المنطق، مختلف الخيارات الأخرى.

وهذا الجمع بين الحزم والسعي إلى بناء توازن إقليمي جديد هو ما يحدد اليوم ملامح الاستراتيجية الأميركية.

وانطلاقاً من ذلك، يرى كثيرون أن دونالد ترامب لا يسعى إلى كسب حرب بقدر ما يسعى إلى فرض سلام دائم، يقوم على دول قوية، وحدود محترمة، ومؤسسات قادرة على ممارسة سيادتها الكاملة.

وإذا ما نجحت هذه الرؤية، فإن الحديث عن جائزة نوبل للسلام للرئيس الأميركي لن يبدو مستغرباً كما قد يبدو اليوم، إذ لطالما كرّس التاريخ قادة أثارت أساليبهم الجدل، لكن نتائجهم غيّرت وجه مناطق بأكملها.

وفي إطار هذا النظام الإقليمي الجديد، يصبح كل قائد يختار الانخراط في هذه الدينامية شريكاً في صناعة السلام.

ويبدو أن الرئيس جوزاف عون بات اليوم أحد هؤلاء.

منذ اللحظات الأولى للزيارة، استوقف المراقبين تفصيل بروتوكولي لافت.

فالرئيس الأميركي لم ينتظر نظيره اللبناني داخل البيت الأبيض، بل خرج لاستقباله شخصياً، ورافقه حتى مدخل المكتب البيضاوي.

وفي الأعراف الدبلوماسية الأميركية، غالباً ما تحمل الرموز دلالات لا تقل أهمية عن الكلمات.

وخلال اللقاء، حرص ترامب على إظهار قدر كبير من التقدير والاحترام لضيفه اللبناني، في رسالة سياسية بدت موجهة إلى اللبنانيين وإلى المنطقة بأسرها، مفادها أن لبنان عاد ليحتل موقعاً متقدماً في الاهتمام الأميركي.

ولم يكن هذا المشهد مجرد إجراء بروتوكولي، بل عكس رغبة واشنطن في إدراج لبنان ضمن المعادلة الإقليمية الجديدة.

وأمام هذه اللحظة المفصلية، ظهر الرئيس جوزاف عون بمستوى الحدث. فعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي بدت واضحة، حافظ على رباطة جأشه طوال اللقاء، وقدم مواقف دقيقة وواضحة وخالية من أي التباس.

ومنذ انتخابه، اختار رئيس الجمهورية نهج الصبر، وسعى إلى فتح أبواب الحوار أمام "حزب الله" بهدف دمجه الكامل في مؤسسات الدولة، انطلاقاً من قناعة بأن الحل المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا عبر توافق وطني شامل.

وقد تعرض هذا الخيار لانتقادات داخلية واسعة، إذ رأى البعض أن وتيرة المسار بطيئة، إلا أن الرئيس تمسك بإعطاء الحوار كامل فرصه قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة.

لكن هذه اليد الممدودة لم تحقق النتائج المرجوة.

ويبدو أن زيارة واشنطن تفتح اليوم فصلاً جديداً، لا يقوم على المواجهة، بل على دولة تتولى تدريجياً كامل مسؤولياتها.

ولا يمكن الحديث عن هذه المرحلة من دون التوقف عند الدور المحوري الذي يؤديه الجيش اللبناني.

فمنذ أشهر، بات الجيش يشكل العمود الفقري للاستقرار الوطني.

ويبرهن قائده، العماد رودولف هيكل، يومياً على قراءة استراتيجية دقيقة للتحديات الأمنية، من خلال مقاربة تجمع بين الانضباط والاحتراف والقدرة على استشراف المخاطر، بما يحافظ على وحدة المؤسسة العسكرية ويواكب التحولات التي يشهدها لبنان.

وفي هذه المرحلة المفصلية، لم يعد الجيش مجرد ضامن للأمن، بل أصبح أحد الأعمدة الأساسية التي قد تُبنى عليها سيادة الدولة اللبنانية.

ولا يقل أهمية في هذه المعادلة رئيس مجلس النواب نبيه بري.

فبحكم موقعه وتأثيره داخل الطائفة الشيعية، يبقى أحد عناصر التوازن التي يصعب تجاوزها.

وفي مرحلة يصبح فيها لكل كلمة أو موقف أو قرار تأثير مباشر على مستقبل البلاد، يظل دوره أساسياً في مواكبة أي انتقال سياسي، بما يحافظ على التماسك الوطني.

لكن، بعيداً من التصريحات الرسمية، قد يبقى أبرز ما حملته الزيارة هو الرسالة السياسية التي وجهها الرئيس جوزاف عون.

إنها رسالة سلام.

سلام لا يعني الضعف أو الاستسلام، بل يقوم على استعادة سلطة الدولة، وتعزيز مؤسساتها، ورفض بقاء لبنان ساحة لتصفية صراعات القوى الإقليمية.

وهي رؤية تتقاطع مع المقاربة التي تعمل واشنطن على ترسيخها في الشرق الأوسط، والقائمة على استبدال منطق الدول بمنطق الميليشيات، والحوار بالمواجهات الدائمة، والسيادة بالفوضى.

لذلك، فإن هذه الزيارة تتجاوز كثيراً حدود لقاء ثنائي بين رئيسين.

فقد تشكل إحدى المحطات الأولى في مسار سلام تسعى الولايات المتحدة إلى ترسيخه في المنطقة.

ويبقى التاريخ وحده من سيحكم على مدى نجاح هذا المسار.

لكن المؤكد أن بعض اللقاءات تغيّر مجرى الأحداث.

وربما يكون لقاء واشنطن واحداً منها.

وإذا ما استمرت هذه الدينامية، فقد يستعيد لبنان أخيراً دوره الطبيعي، كأرض للحوار والحرية والعيش المشترك.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: